
لم يكن الوداع في أوتريخت مجرد لحظة عابرة تُطوى مع المسافات، بل كان فصلاً من الحنين كُتب على عجل في آخر النهار، حين وقفت أودّع صديقةً فتحت لي باب بيتها وقلبها معًا، وأحاطتني هي وعائلتها بكرمٍ جعلني أشعر أن الغربة قد فقدت معناها.
في تلك الأيام، كانت المودة تتسلل إلى التفاصيل الصغيرة؛ إلى فناجين الشاي، وإلى الأحاديث التي امتدت حتى آخر الليل، وإلى الابتسامات التي لا تحتاج إلى ترجمة، هناك، في ذلك البيت المغربي الهولندي الهادئ، شعرت أن الإنسان قد يجد وطنًا مؤقتًا في قلب إنسان آخر.
وحين جاء موعد الرحيل، بدا الزمن قاسيًا على غير عادته، كانت الكلمات تتعثر على الشفاه، وكأنها تعرف أن الوداع لا يُقال بسهولة لمن تركوا في الروح أثرًا جميلًا، لوّحتُ بيدي مودعةً، بينما كانت عيناي تحملان ما عجزت الكلمات عن قوله.
انطلقتُ نحو باريس، لكن شيئًا مني بقي هناك، في شوارع أوتريخت الهادئة، وفي ذلك البيت الذي احتضنني بمحبة صادقة، وعلى امتداد الطريق، كانت الدموع تتسلل بصمت، لا حزناً على الفراق وحده، بل امتنانًا لكل لحظة جميلة عشتها، ولكل دفء إنساني منحني إياه أناس لن أنساهم.
كانت المدن تتبدل خلف نافذة الحافلة، وكانت المسافات تكبر، لكن صورة الوداع بقيت ثابتة في القلب، أدركت يومها أن بعض الأشخاص لا نغادرهم حقًا، حتى وإن ابتعدت بيننا البلدان؛ فهم يسكنون الذاكرة والقلب، كما تسكن النجوم سماء الليل، بعيدةً في النظر، قريبةً في الشعور.
وصلت إلى باريس، لكن قلبي تأخر في الطريق، عالقًا بين محطة وداع وذكرى جميلة، يردد في صمت: شكرًا لكِ على كرمٍ لا يُنسى، وعلى أيامٍ جعلت الرحيل أكثر صعوبة، والذكرى أكثر جمالًا.




