من الاحتجاج إلى الثورة

عبد المولى المروري
ليس كل احتجاج ثورة، ولكن كل ثورة هي احتجاج. هذه القاعدة تختزل الفرق بين فعل جماعي محدود، وبين مشروع جذري يسعى إلى إعادة صياغة الشرعية السياسية.
في المغرب يبرز جيل Z كفاعل جديد يملأ الشارع بالاحتجاج والفضاء الرقمي بالسخرية والتعبئة، بينما يستعد النظام السياسي لمرحلة ولاية العهد حيث ولي العهد نفسه ينتمي إلى هذا الجيل. فهل نحن أمام مجرد احتجاج اجتماعي، أم أمام مقدمات لثورة؟
الاحتجاج والثورة: الفعل الجزئي والمشروع الجذري
الاحتجاج فعل جماعي محدود: ضد الغلاء، البطالة، الفساد. أما الثورة فهي مستوى أعلى، تتسم بثلاث سمات:
– شمولية المطالب (رحيل النظام أو إصلاحه جذريًا).
– اتساع المشاركة (شعبية عابرة للفئات).
– القطيعة مع النظام القائم، لا مجرد إصلاحه.
علم الاجتماع السياسي يبين أن الانتقال من الاحتجاج إلى الثورة يتحقق بثلاثة شروط عامة:
– أزمة الشرعية،
– أزمة البنية،
– وإرادة جماعية واعية.
– وإذا أضيفت إليها محفزات مثل الانقسام داخل النخبة، الفشل الاقتصادي، تراكم الغضب النفسي، ووجود قيادة أو رموز، يصبح الاحتجاج مرشحًا للتحول إلى ثورة.
التراث والفكر: الثورة ليست غريبة
في التراث الإسلامي، أجاز ابن حزم الخروج على الحاكم الجائر، وأوجب ابن تيمية إزالة الحاكم إذا ظهر كفره البواح، بينما حلل ابن خلدون الثورة كظاهرة اجتماعية مرتبطة بالظلم ودورات العصبية.
وفي الفكر الإصلاحي الحديث اعتبر الكواكبي تحرير العقول مقدمة لكل ثورة، بينما أكد مالك بن نبي على الثورة الفكرية والثقافية كأساس للثورة السياسية.
وفي الفكر العربي المعاصر حلل عزمي بشارة وبرهان غليون ثورات 2011 باعتبارها ثورات حقيقية رغم انتكاساتها. لكني أراها أقرب إلى احتجاجات عارمة أطاحت بحكام دون أن تسقط أنظمة الدولة العميقة.
إذن، الثورة في الفكر العربي والإسلامي لم تُعتبر فعلًا غريبًا، بل مشروعًا له مشروعيته حين يتجاوز الاستبداد حدود الشرعية.
جيل Z المغربي: بين الاحتجاج والثورة
جيل Z (1997-2012) جيل رقمي بامتياز، لا يعترف بالأطر التقليدية (الأحزاب والنقابات)، يحتج بلغته الخاصة: شعارات ساخرة، فيديوهات قصيرة، ومطالبه تدور حول المعيشي والكرامة أكثر من السياسي المباشر.
لهذا، فهو أقرب إلى الاحتجاج الواسع منه إلى الثورة بمعناها السوسيولوجي. لكن عفويته وراديكاليته تجعله شبيهًا ببدايات الثورات في أوروبا قبل أن يُؤطرها فلاسفة الأنوار.
خطورة الوضع تكمن في أن عدم الاستجابة للمطالب الاجتماعية قد يُحوّلها إلى مطالب سياسية وحقوقية، لتطرح سؤال الشرعية في قلب النقاش السياسي والاجتماعي.
السيناريوهات المحتملة
وفق علم الاجتماع السياسي، أمام المغرب ثلاثة مسارات:
– الاحتواء والتبريد: إجراءات اقتصادية ورمزية تهدئ الوضع مؤقتًا.
– التصعيد والتحول إلى ثورة: إذا تراكم الغضب وانقسمت النخب.
– التحول إلى حركة اجتماعية مستدامة: وعي متدرج يعيد تشكيل المشهد ببطء.
السيناريو الثالث يبدو الأكثر واقعية الآن، لكنه لا يلغي احتمال الثاني إذا اجتمعت ظروفه وشروطه..
مفارقة ولي العهد
المفارقة أن ولي العهد من جيل Z (مولود 2003)، أي إنه ينتمي إلى الجيل المحتج نفسه. فهل سيُقدَّم كـ”ملك الشباب” و”ملك العصر الرقمي”، أم سيرى الشباب في ذلك مفارقة ساخرة: النظام القادم يقول إنه منا، لكنه ربما سيحكمنا بآليات قديمة؟
التجربة التاريخية تذكرنا بعام 1999، حين سُوِّق لشعارات “العهد الجديد” و”ملك الفقراء”. لكن بعد عقدين ظلّت البنية الاستبدادية على حالها. فهل نحن بصد إعادة السيناريو نفسه؟
جيل Z اليوم أكثر وعيًا ورقميًا، يقارن أوضاعه بالعالم، ولا يصدق الشعارات الرمزية. وأي فشل جديد في تحويل الوعود إلى إصلاحات ملموسة قد يُحوِّل هذا الفشل إلى وقود للسخط والغضب.
المغرب يقف عند مفترق طرق: إما إصلاحات حقيقية تُعيد الثقة، أو استمرار في الشعارات التي قد تتحول إلى وقود للاحتجاج وربما للثورة.
جيل Z ليس مجرد فاعل عابر، بل محدد لمستقبل المغرب السياسي. ما نتمناه أن تبقى الاحتجاجات سلمية، وأن يقوم العلماء والمثقفون بدور التأطير، وأن تبادر الدولة إلى اتخاذ خطوات سياسية حقيقية: حل الحكومة والبرلمان، وفتح مشاورات جادة لتعديلات دستورية ديمقراطية، دستور يعبر عن إرادة الشعب، ويعطي معنى سياسي وواقعي للحكومة والبرلمان مع إعطاءهما صلاحيات حقيقية، في إطار ملكية برلمانية.
أما الحكومة الحالية، فقد تجاوزتها الأحداث، والقضية الآن قضية دولة وليست قضية حكومة.





