24 ساعةالواجهةمجرد رأي

من الرؤية الملكية إلى حسن الاختيار: لماذا تألقت كرة القدم وتعثّرت الرياضات الأولمبية؟

من الرؤية الملكية إلى حسن الاختيار: لماذا تألقت كرة القدم وتعثّرت الرياضات الأولمبية؟

بقلم: العربي سليماني

لا يمكن مقاربة الإنجاز التاريخي الذي حققته كرة القدم المغربية بمعزل عن سياقه الحقيقي، ولا اختزاله في لحظة عابرة أو مجهود فردي محدود. فما تحقق هو نتاج رؤية ملكية بعيدة المدى، جعلت من الرياضة ركيزة أساسية للتنمية الشاملة وأداة فعالة لتعزيز الحضور الدولي للمغرب، من خلال بناء منظومة رياضية عصرية قوامها الحكامة الجيدة، والنجاعة في التدبير، والاستثمار في الرأسمال البشري.

غير أن وضوح الرؤية، مهما بلغت قوتها، يظل رهينًا بحسن تنزيلها على أرض الواقع، وهو ما يستدعي وجود كفاءات قيادية قادرة على تحويل التوجيهات الاستراتيجية إلى إنجازات ملموسة. وهنا تتجلى خصوصية تجربة كرة القدم، التي ارتبط نجاحها بالاختيار الموفق لفوزي لقجع على رأس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، حيث جرى التعاطي مع اللعبة باعتبارها مشروعًا وطنيًا متكاملًا، تحكمه رؤية مؤسساتية واضحة، وتخطيط استراتيجي بعيد المدى، قائم على ربط المسؤولية بالمحاسبة.

لقد تميّز هذا المسار بقطيعة حقيقية مع العشوائية ومنطق المجاملة، وبقرارات حاسمة قد لا تكون دائمًا شعبية، لكنها كانت ضرورية لإعادة البناء، فتم التركيز على التكوين القاعدي، وتأهيل البنيات التحتية، وترسيخ الاحتراف بمعناه الحقيقي، إلى جانب إعادة الاعتبار لمختلف المنتخبات الوطنية. وكانت المحصلة كرة قدم مغربية بلغت مصاف العالمية، وفرضت نفسها في كبريات التظاهرات الدولية، وقدّمت صورة مشرفة لبلد قادر على المنافسة والريادة.

في المقابل، يطرح واقع اللجنة الأولمبية المغربية أكثر من تساؤل. نتائج متواضعة، غياب تصور استراتيجي شامل، ضعف في التنسيق، واستمرار أساليب تسيير تقليدية، رغم أن الرعاية الملكية تشمل مختلف الرياضات دون تمييز، رياضات لها تاريخ عريق، كألعاب القوى والملاكمة، إلى جانب كرة اليد وكرة السلة والتنس والرياضات الحربية، فقدت إشعاعها، لا بسبب ندرة المواهب، بل نتيجة اختلالات في الحكامة وغياب قيادة قادرة على إحداث التحول المنشود.

وهنا تفرض المقارنة نفسها بقوة: كيف استطاعت كرة القدم أن تؤسس نموذجًا ناجحًا ذي إشعاع عالمي، في حين عجزت الرياضات الأولمبية عن مجاراة نفس الطموح؟

الجواب، وإن بدا قاسيًا، يظل واضحًا: الإشكال لا يكمن في الرؤية ولا في الإمكانيات المتاحة، بل في طبيعة الاختيارات، فعندما وُضع الشخص المناسب في الموقع المناسب، تحقق النجاح. وحين غاب هذا المبدأ، استمر التعثر وتكرّس الجمود.

إن الظرفية الحالية تستدعي وقفة وطنية مسؤولة، لا بدافع الانتقاد المجرد، بل انطلاقًا من حس وطني يفرض تحويل الرعاية الملكية إلى نتائج ملموسة، فالتنزيل الفعلي للرؤية لا يتم إلا عبر كفاءات تمتلك الجرأة، والقدرة على التخطيط، والاستعداد للإصلاح، وإذا كان نموذج كرة القدم قد أثبت نجاعته، فإن تعميمه على باقي الرياضات، وفي مقدمتها اللجنة الأولمبية المغربية، لم يعد خيارًا ثانويًا، بل ضرورة وطنية ملحّة.

لقد أكدت التجربة أن بلوغ العالمية لا يتحقق بالصدفة، بل يُصنع بصبر واختيار سليم، وأن احترام الرؤية الملكية يمر حتمًا عبر ترسيخ منطق الكفاءة وتحمل المسؤولية، والمغرب، الذي نجح كرويًا بفضل هذه المعادلة، يملك كل المقومات ليصبح قوة رياضية شاملة، متى توفرت الإرادة، وحُسن الاختيار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى