من العمى إلى البصيرة

من العمى إلى البصيرة:
كيف تحوّلت كاندِس أوينز إلى صوتٍ يفضح إسرائيل في قلب أمريكا.
في لقطةٍ من زمننا هذا، لا تحتاج الكاميرا إلى ديكور ولا إلى إضاءة. شاشة لابتوب صغيرة، امرأة سوداء تتحدث بثبات، وعالمٌ كامل يعيد ترتيب قناعاته في الخلفية.
اسمها كاندِس أوينز، واحدة من أكثر الأصوات إثارةً للجدل في أمريكا اليوم، وواحدة من أولئك الذين خرجوا من صفّ المصفقين لإسرائيل… إلى صفّ من يضعونها في قفص الاتهام الأخلاقي والسياسي. هذه المرأة لم تولد
«ناشطة من أجل فلسطين»،
ولم تنشأ في هوامش اليسار أو في دوائر حركات التضامن. على العكس تمامًا، جاءت من قلب المعسكر المحافظ الأمريكي، من بيئةٍ كانت إسرائيل فيها «مقدّسة» سياسيًا، ومن منصةٍ إعلامية يمينية يديرها واحد من أهم وجوه اللوبي المؤيد لإسرائيل في أمريكا. كانت جزءًا من ماكينة خطابية تعتبر أيّ انتقاد لإسرائيل ضربًا من
«الهرطقة السياسية»…
قبل أن تنقلب على هذه القاعدة غير المكتوبة، وتدفع ثمن السؤال. حين بدأت كاندِس تضع يدها على الجرح، لم تفعل ذلك بخطاب عاطفي، بل بمنطق بسيط يراه المواطن الأمريكي العادي ولا يريد الإعلام التقليدي أن يراه: لماذا تُضَخّ المليارات في كيان يحتل شعبًا آخر، بينما ملايين الأمريكيين يعيشون على حافة الفقر؟ لماذا تُفرَض على المجتمع الأمريكي كلفةُ تحالفٍ يضعه في مواجهة أخلاقية مع صور أطفال يُسحَقون تحت الركام في غزة، وقرى تُقصف في جنوب لبنان، وضرباتٍ تمتد إلى سوريا، واحتلالٍ يخنق الضفة الغربية يوميًا؟ عند هذه النقطة تحديدًا، تحولت كاندِس من «صوتٍ محافظ محبوب» إلى «خطر يجب عزله». لم يحتمل النظام الإعلامي المسانِد لإسرائيل أن تخرج واحدة من داخله لتقول إن هذا الكيان أصبح عبئًا أخلاقيًا وسياسيًا وماليًا على أمريكا نفسها؛ عبئًا يناقض الدستور الذي يتغنون به: حرية، وعدالة، وديمقراطية. فجأة ظهرت التهمة الجاهزة: «معاداة السامية». هذه العبارة التي استُخدمت لعقود كسيفٍ مسلّط على رقبة كل من يحاول أن يرى حقيقة ما يجري على الأرض… أصبحت في زمن حرب الإبادة على غزة أشبه بورقةٍ قديمة فقدت بريقها أمام سيل الصور والوثائق والشهادات. خطورة حالة كاندِس أوينز، في نظر اللوبيات المؤيدة لإسرائيل، ليست في عدد المشاهدات، ولا في ترتيب برنامجها على يوتيوب، بل في كونها نموذجًا لتحوّلٍ أوسع داخل المجتمع الأمريكي نفسه. امرأة سوداء، محافظة، مسيحية الخلفية، مخاطِبة لجمهورٍ كان يُفترض أن يكون «قاعدًة مضمونة» لدعم إسرائيل… تخرج لتقول: لا. لا للاحتلال. لا لتبرير قتل الأطفال. لا لتحويل أموال دافعي الضرائب إلى ماكينة حرب لا تنتهي. هذه الـ«لا» لا تأتي من جامعة يسارية، ولا من مظاهرة طلابية، بل من قلب خطابٍ ظلّ لعقود يُستخدم لتبرير التحالف مع إسرائيل. ولهذا ترتجف اللوبيات. الخوف عليها ليس رومانسيًا ولا مؤامراتيًا؛ الخوف حقيقي من أدواتٍ نعرفها جميعًا: اغتيال معنوي، تشويه، حملات منظّمة لتدمير السمعة، ضغط اقتصادي، إغلاق أبواب المنصات، ووضع كل من يشبهها في خانة «المشبوه» الذي يجب إسقاطه. لقد رأينا كيف تُدار هذه الماكينة ضد أكاديميين، وطلاب جامعات، وفنانين، وصحفيين، لم يرتكبوا سوى «جريمة» واحدة: القول إن ما تفعله إسرائيل في غزة والضفة ولبنان وسوريا هو حرب إبادة وتهجير قسري وجرائم موثّقة بالصوت والصورة. لكن ما لم ينتبهوا له أن الزمن تغيّر. غزة لم تَعُد مجرد «خبر خارجي» كما يحبّون تسميته، بل أصبحت مرآةً قاسية تُرى فيها الولايات المتحدة نفسها: كيف يمكن لدولة تقول عن نفسها إنها حامية الحرية في العالم أن تساند علنًا جيشًا يقصف المخيمات والمستشفيات والمدارس؟ كيف يمكن لحزبٍ يرفع شعارات العدالة الاجتماعية أن يبرّر تمويل آلة قتلٍ تُبيد شعبًا محاصرًا منذ سنوات؟ من هنا، تصبح كاندِس واحدة من وجوه صحوةٍ أوسع: في الجامعات، حيث يتظاهر الطلاب ويحتلون الساحات رغم القمع والطرد والفصل. في الأوساط الأكاديمية، حيث يوقِّع أساتذةٌ بياناتٍ ترفض تحويل دعم إسرائيل إلى «عقيدةٍ رسمية». في البلديات، حيث يُنتخَب رؤساء مدن لأنهم ينتقدون دعم الاحتلال، لا رغم ذلك. داخل الحزب الديمقراطي نفسه، حيث باتت غالبية القواعد الشابة تعلن، بوضوح متزايد، رفضها لشيكٍ مفتوح لإسرائيل على حساب حقوق الإنسان والقانون الدولي. في هذا السياق، تبدو قصة كاندِس أوينز أشبه بمشهدٍ مفصلي في فيلم سياسي طويل: امرأة كانت جزءًا من السردية التي تحمي إسرائيل، فإذا بها تكتشف أن هذه السردية مشروخة، وأن الدم الذي يغطي شاشات العالم لا يمكن تبريره إلى الأبد. تسقط من «جنة» الإعلام المحافظ التقليدي، وتُفتح أمامها أبواب منصات جديدة وجمهور جديد، لكنها في الوقت نفسه تدخل منطقة الخطر: منطقة من يقرّر أن يقف في وجه ماكينةٍ تعوّدت أن لا يسألها أحد. اللوبيات المؤيدة لإسرائيل ترتعب من التحولات، ليس لأنها تخسر مناظرة هنا أو هناك، بل لأنها ترى شيئًا أعمق بكثير: الوعي يتسرّب إلى قلب المجتمع الأمريكي، إلى الطبقات الوسطى، إلى الشباب، إلى السود واللاتينيين، إلى النقابات، إلى من تعبوا من دفع ثمن حروب الآخرين. لا شيء أخطر على مشروع استعماري من أن تبدأ القاعدة الاجتماعية للحليف الأكبر بالتساؤل: لماذا ندفع نحن ثمن هذا كلّه؟ غزة، بهذا المعنى، لم تعد فقط ساحة مواجهة عسكرية، بل صارت ساحة إعادة صياغة للوعي العالمي. كل طفلٍ يُسحب من تحت الركام، كل مخيم يُغرقه المطر فوق الخيام، كل أمٍّ تبحث عن أبنائها في سرداب مستشفىٍ مدمّر… كل هذه الصور تنقش في الوعي الأمريكي أسئلة لا تستطيع بيانات البيت الأبيض ولا تقارير القنوات الكبرى أن تمحوها. ومن بين الذين التقطوا هذه الأسئلة، جاءت كاندِس أوينز بصورتها وصوتها لتقول لجمهورها: إسرائيل ليست «الضحية الأبدية» كما قيل لنا، بل كيان احتلالٍ يجرّ أمريكا إلى هاويةٍ أخلاقية وسياسية ومالية. في لحظات التحوّل الكبرى، لا يكفي أن نفرح بأن صوتًا في أمريكا تغيّر، ولا أن نكتفي بالتصفيق عن بُعد. المعركة الآن لم تعد بيننا وبين الاحتلال وحده… المعركة أصبحت بين وعيٍ يتشكّل هناك وحقيقةٍ تنزف هنا. لهذا السبب، نحن الفلسطينيين مطالبون اليوم بأن نلتقط هذه الظواهر، وأن نمدّ يدًا معنوية لكل من فتح عينيه على حقيقة هذا الاحتلال، وأن نقول له بوضوح: نراك. نحترم شجاعتك. ونعرف ثمن الانتقال من العمى إلى البصيرة. علينا أن نُشعر كل صوتٍ حرّ في أمريكا، وفي أوروبا، وفي الجامعات، وفي الإعلام، وفي ساحات السياسة، بأن وقفته معنا ليست صرخةً في الفراغ، بل هي جزء من ضميرٍ عالمي يتشكّل… ضميرٍ يؤمن بالحرية والديمقراطية والعدالة وحق الشعوب في تقرير مصيرها. وعلينا، قبل كل شيء، أن نحمي هؤلاء الأصوات من محاولات التشويه والعزل والإسكات، لأنهم يدفعون ثمنًا حقيقيًا من حياتهم ومكانتهم ووظائفهم. من يقف مع الحق الفلسطيني ليس “مغامرًا عابرًا”، بل شريكٌ أخلاقي… وشريكٌ في الانتقال الإنساني نحو عالمٍ أكثر عدلًا. إن قصة كاندِس أوينز ليست مجرد قصة إعلامية عابرة، بل هي علامة على زمنٍ جديد يتشكل: زمنٍ لا تنفع فيه بروباغندا إسرائيل، ولا تخيف فيه تهمة «معاداة السامية»، ولا تنجح فيه ماكينة اللوبيات في دفن الوعي. وإذا كان الانتقال من الجهل السياسي إلى الوعي الأخلاقي عملًا شجاعًا، فواجبنا أن نستقبله بامتنان، وأن نحميه، وأن نقول لكل من يشبه كاندِس:
مكانكم ليس خارج السرب…
مكانكم في قلب الضمير الذي يتشكّل الآن، والذي ستكتب عليه الحرية فصلاً جديدًا لفلسطين والعالم.
======
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي





