24 ساعةأحزابأخبار وطنيةالواجهةحقوق الإنسانعالم السياسة

من سرق من المواطن بوصلة الحياة؟ ولماذا صمت الفقهاء والسياسيون والنقابيون والمثقفون عن الحقوق الستة الكبرى؟

بقلم عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

منذ عقود طويلة، يُغرق المواطن العربي والمغربي خصوصا في نقاشات هامشية وصراعات جانبية، بينما يتم تجاهل الأسئلة الحقيقية التي تحدد مصير الإنسان وكرامته ومستقبله. فلا يكاد يسمع المواطن من الفقهاء أو السياسيين أو النقابيين أو الحقوقيين أو المثقفين حديثا واضحا ومستمرا عن الحقوق الأساسية التي لا تستقيم الحياة بدونها.

يمكن اختصار هذه الحقوق في ستة أركان كبرى للحياة الإنسانية الكريمة:

1- سكن لائق. 2- صحة جيدة. 3- عدالة نزيهة. 4- مدرسة عقلانية وجيدة. 5- اقتصاد منتج يخلق الثروة وفرص الشغل. 6- حرية وعيش كريم.

هذه ليست مطالب فئوية ولا شعارات أيديولوجية، بل هي جوهر العمران البشري الذي جاءت من أجله الرسالات السماوية، وتأسست عليه الدول الحديثة، وأثبتت التجارب التنموية الناجحة في العالم أنه الطريق الوحيد للاستقرار والتقدم.

دينيا، لم يكن مقصد الشريعة مجرد إقامة الشعائر الشكلية، بل حفظ كرامة الإنسان وتحقيق مصالحه ورفع الظلم عنه. فلا معنى للحديث عن التدين في مجتمع يعاني فيه الملايين من الفقر والبطالة وسوء العلاج وانعدام العدالة. وقد ربط الإسلام بين الإيمان والعدل، وبين العبادة وحقوق الناس، وبين التقوى ومحاربة الفساد.

أخلاقيا، لا يمكن لمجتمع أن يبني منظومة قيم سليمة إذا كان المواطن يشعر بالحكرة و الظلم والتمييز وانسداد الأفق. فالكرامة ليست ترفا فكريا، بل هي أساس الاستقرار النفسي والاجتماعي والسياسي.

تنمويا، أثبتت التجارب الدولية أن الاستثمار الحقيقي ليس في الأبراج والإسمنت فقط، بل في الإنسان. فالمدرسة الجيدة والمستشفى الجيد والقضاء النزيه والاقتصاد المنتج هي التي تصنع الأمم القوية، لا كثرة الخطابات والشعارات.

سياسيا، فإن الأزمة الكبرى التي تعيشها العديد من المجتمعات ليست أزمة دساتير أو قوانين فقط، بل أزمة أولويات. فبدل أن تتحول الأحزاب والنقابات والجمعيات إلى مدارس للدفاع عن هذه الحقوق الستة، انشغل جزء كبير منها بالصراعات الانتخابية و تجارة التزكيات الانتخابية والحسابات الضيقة والمواقع والمناصب و الإمتيازات.

أما أكاديميا، فإن كل الدراسات الجادة في علم الاجتماع والاقتصاد السياسي والتنمية البشرية تؤكد أن قوة الدول تقاس بقدرتها على توفير السكن والصحة والتعليم والعدالة وفرص العمل والحريات الأساسية لمواطنيها.

السؤال المؤلم اليوم هو: لماذا لا تتحول هذه الحقوق الستة إلى مشروع وطني جامع؟ ولماذا لا تصبح محور خطب المساجد وبرامج الأحزاب وبيانات النقابات وأبحاث الجامعات وندوات المثقفين؟

إن أكبر خدمة يمكن أن تقدم للمواطن ليست إغراقه في الجدل العقيم، بل تذكيره يوميا بأن من حقه أن يعيش في سكن لائق، وأن يتلقى علاجا محترما، وأن يلج مدرسة جيدة، وأن يحظى بقضاء عادل، وأن يجد عملا منتجا، وأن يتمتع بحريته وكرامته.

عندما تصبح هذه الحقوق الستة هي البوصلة، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي والديني أكثر صدقا، وتصبح التنمية أكثر عدالة، ويصبح الوطن أقوى وأكثر استقرارا و يتسع لجميع أبنائه.

لكن الجشع و التواطؤ و انعدام القيم و الأخلاق يعرقل هذا المشروع النبيل.

من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى