مهزلة القيمة المضافة

بقلم أبو أيوب
    المغاربة قاطبة استبشروا خيرا بفتوحات الديبلوماسية المغربية في الآونة الاخيرة، و الفضل كله راجع لحنكة أولياء الأمر و لا يد للسيد رئيس الحكومة المغربية في هذه الإنتصارات … بعد افتتاح قنصلية شرفية لدولة ساحل العاج صيف السنة الماضية بمدينة العيون … بشرنا السيد بوريطة وزير الشؤون الخارجية و التعاون الإفريقي و المغتربين بأن هناك خطوات مماثلة لدول ستتلوها، و هو ما اعتبر آنذاك بالإنجاز العظيم الذي أثلج صدورنا و هللنا له جميعا . 
    بعد حين التحقت بالركب جمهورية جزر القمر و حدت نفس الحدو بافتتاح قنصلية لها هي الأخرى بمدينة العيون، و كم كان السيد بوريطة منشرحا بشورا بشوشا و هو يحط الرحال بحاضرة الصحراء مرفوقا بالمسؤول القمري، حيث أزيح هناك الستار عن معالم و مكاتب البعثة الديبلوماسية معلنا نصرا و عهدا جديدا، و فتحا لمزيد من القلاع انتصارا للقضية الوطنية الكبرى و تضييقا على محاولات الخصوم . 
    و قبل أن يجف الحبر الذي خطت به عملية الإفتتاح و توج به الزحف الديبلوماسي، يواصل البشوش السيد بوريطة وزير الشؤون الخارجية هذه المرة و يأبى إلا أن يواصل الديبلوماسية الهجومية استرجاعا للمواقف الداعمة لقضية وحدتنا الترابية، و هذه المرة كان الإتجاه أقصى الجنوب صوب حاضرة وادي الذهب بخليج مدينة الداخلة، حيث كان الموعد مع افتتاح قنصلية جمهورية غامبيا، لتشكل الضلع الثالث في زمن وجيز للهجمة الديبلوماسية المغربية التي سجلت ثلاثة أهداف في ملعب الخصوم …
    و من بين المرامي و المقاصد لهكذا نشاط ديبلوماسي على الصعيد الدولي، إكتساب مزيد من الأصوات الداعمة للمقترح المغربي في المنتظم الأممي “الجمعية العامة بخاصة اللجنة الرابعة التابعة لها التي تعنى بتصفية الإستعمار / مجلس الأمن الدولي …” . خطوات مغربية سرعان ما شجبها و ندد بها خصوم المغرب و على رأسهم الجزائر عبر بيان رسمي لوزارة خارجيتها، و تنظيم البوليساريو من خلال الرسالة التي بعثتها الرئاسة للسيد غوتيريش أمين عام الأمم المتحدة . 
    الصحراء اليوم تعيش على إيقاع عرس من نوع آخر، عرس رياضي بامتياز على ضوء مرور رالي إفريقيا للبيئة في طريقه نحو السينغال، هنا لا بد أن نستذكر مجد أيام رالي باريس داكار الذي حول مجراه عن الصحراء و لم نعد نسمع له صوتا و لا رنينا …! . الأخبار القادمة من الجنوب تنذر باحتمالية توقف نشاط  الرالي جنوب مدينة الداخلة، حيث أفادت التسريبات أن الخصم شرع في وضع متاريس و حواجز و نصب خيام قبالة معبر الكركرات، بنية قطع الطريق و إغلاق المعبر في وجه الأنشطة الرياضية بعدما أخطر أفراد بعثة المينورسو المتواجدة هناك .
    تنظيم البوليساريو يعتبر ما قام به المغرب من فتح معبر الكركرات بالخطوة الأحادية الجانب و الغير قانونية، بل يعتبرها خرقا سافرا للبند الأول من اتفاقية وقف إطلاق النار الموقعة بين الجانبين سنة 91 تحت إشراف أممي، بينما المغرب يرى في الخطوة التي أقدم عليها الخصم استفزازا يهدد السلم و الأمن الإقليمي و قد يرقى لإعلان حرب، في الوقت التي تعيش فيه المنطقة و دول الساحل و الصحراء على وقع انتشار الإرهاب و الجريمة المنظمة و تجارة المخدرات . 
    ما بين عمليات الكر و الفر و تبادل الرسائل بين الجانبين ( إفتتاح القنصليات … / إجراء الخصم للمناورات العسكرية و تنظيم المؤتمر 15 بتيفاريتي شرق الجدار … ) ، و في وسط هذه الأجواء الملتهبة تخبرنا الأمم المتحدة بفقدان جمهوريتي غامبيا و جزر  القمر لحقهما في التصويت داخل أشغال الجمعية العامة ضمن قائمة تشمل عشرة دول عبر العالم، بدعوى عدم الإيفاء بالتزاماتهما المالية تجاه المنتظم الدولي ما يستدعي التساؤل المشروع، ما هي القيمة المضافة لفتح قنصلياتهما بمدينتي العيون و الداخلة في الوقت الذي حرمت  فيه الدولتان  من حق  التصويت ؟ و ماذا بوسعهما تقديمه للجانب المغربي مع العلم أنهما يتذيلان التصنيف العالمي لأفقر الدول ؟ أي بمعنى من المعاني دولتان شاحدتان متسولتان للدعم و المساندة و المساعدات … فما هو محلهما من الإعراب ؟ .
    على الطرف الآخر من المعادلة نشاهد هجمة ديبلوماسية مدروسة و محبوكة بإتقان تقوم بها الجزائر ما بعد تعيين رئيسها الجديد، فالملاحظ المتتبع يستنتج باستعادة الجارة الشرقية سياسيا لدورها الريادي بالمنطقة على حساب المغرب “الأزمة الليبية مثال”، و ما يؤكد المعطى ما تعيشه الجزائر حاليا من زيارات وفود أجنبية ذات ثقل وازن ” إيطاليا/ تركيا/ مصر …”، أو من خلال إرسال الدعوات الرسمية للجزائر لزيارة كل من ” ألمانيا/ مصر/ تونس ” ، فضلا عن توجيه الدعوة لحضورها مؤتمر برلين لمناقشة ازمة ليبيا … في الوقت الذي استثني فيه المغرب رغم مشاركته فيما مضى من خلفية  اتفاقية الصخيرات ..! .
    أما على الصعيد الإقتصادي نلاحظ بوادر طفرة نوعية و بداية توجه استثماري جديد لبعض الدول الأوروبية نحو السوق الجزائرية ” إيطاليا مثال “، لكن الملفت اللافت يبقى هو الصفقة الضخمة المتوقعة بين الجزائر و ألمانيا في مجال الطاقة الشمسية ( أكبر مشروع طاقوي نظيف على صعيد العالم بجنوب البلاد بقيمة حوالي 4 مليار دولار )، ما من شأنه أن يزاحم المشروع المغربي ” نور ورزازات ” أسوة بمزاحمة معبر تندوف – شوم الجزائري الموريتاني لمعبر الكركرات، تتبعها صفقة أخرى و هذه المرة في مجال تكرير البترول حيث تم الفوز بعقد بناء محطة للتكرير من طرف شركة إسبانية/ كورية جنوبية بقيمة حوالي 5 مليار دولار .
    صفقات دولية على حساب فرنسا المستعمر القديم ( مقال باي باي ماما فرنسا المنشور على الجديدة نيوز )، بعدما أقصيت شركة طوطال الفرنسية من مشروع محطة التكرير، و لمزيد من إدارة الظهر لفرنسا على ضوء تدخلاتها السافرة في الشأن الداخلي للجزائر طيلة شهور الحراك، تتجه الأخيرة اليوم لتوسعة الميناء التجاري البحري لشرشال لتمكينه من استقبال السفن التجارية الضخمة . للإشارة كانت السفن فيما قبل تتجه نحو ميناء مارسيليا الفرنسي و منها يعاد تحميل سفن صغيرة نسبيا بالبضائع و مختلف السلع في اتجاه الجزائر، عملية كانت تدر على خزينة الدولة الفرنسية قرابة 1 مليار و 300 مليون دولار سنويا حرمت منها اليوم فرنسا .
    أما على الجانب السياسي و العسكري المتعلق بنفوذ فرنسا، فقد سجل صمت مريب فرنسي إزاء ما يحدث بليبيا بعد دخول الجزائر على خط الأزمة/ قبله صمت آخر سجل على إثر المناورات البحرية المشتركة الجزائرية/ الروسية/ الصينية بالأبيض المتوسط … فضلا عن انتكاستها في مالي و حادثة إسقاط المروحيتين العسكريتين و مقتل جنودها 13، و استبعادها من المناورات المشتركة بين أمريكا و ساحل العاج فيما يتعلق بمحاربة الإرهاب، و ليس أخيرا الأزمة الإقتصادية و الضائقة المالية التي تعيش تحت وطأتهما  فرنسا على ضوء تواصل احتجاجات الشارع ” السترات الصفراء ” …
    بوادر متغيرات جيوستراتيجية تلوح في الأفق ليست في صالح فرنسا و من يدور في الفلك، بعض المحللين يرون في سنة 2020 سنة الدب الروسي و التنين الصيني على صعيد القارة السمراء خاصة بشمالها، اللقاء الذي جمع بوتين و أردوغان + إعلان الجزائر العاصمة الليبية طرابلس خطا أحمر في مواجهة النية المبيتة التركية + الإصطفاف المصري و التونسي إلى جانب التحركات الجزائرية في الملف الليبي دفعت الرئيس التركي إلى وضع الرهان العسكري جانبا، و هو اليوم يستعد للقيام بزيارة رسمية للجزائر نهاية الشهر الحالي و على سلم الأولويات مناقشة الأزمة الليبية و تنمية العلاقات الإقتصادية، فيما يستعد نظيره الجزائري لزيارة ألمانيا/ تونس/ مصر معلنا عن عودة سياسة لفراجة بدل سياسة البهرجة، حيث كان هذا عنوان مقال نشر على نفس الموقع منذ حوالي سنتين، فشتان ما بين الرؤيتين . 
    تحركات ديبلوماسية كثيفة يقوم بها حاليا السيد رمطان لعمامرة وزير خارجية الجزائر السابق من زاوية عمله الإفريقي، فيما أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يجري اتصالا هاتفيا بوزير الخارجية الجزائرية الحالي السيد صبري بوقادوم، و المرجح الأكيد أنها تتعلق في مجملها بقضايا المنطقة من ضمنها قضية الصحراء، فهل يعد هذا مدخلا لاسترجاع الدور الطلائعي لسياسات الجزائر الخارجية على صعيد المنطقة و إفريقيا عموما ؟ و على حساب من سيتم الإسترجاع ؟  
    أترك لكم الجواب معشر المتتبعات و المتتبعين، على أمل الإطلالة بمقال و خبر جديد …

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إتفاقية شغل جماعية بين شركة “ليوني –عين السبع” بالدارالبيضاء والإتحاد العام للشغالين بالمغرب

أثر إيجابي على المناخ الإجتماعي بالعاصمة الإقتصادية     تم يوم الثلاثاء بالدار البيضاء توقيع ...