مواصفات الخطاب الرسالي بالمسجد

بقلم عبد الرحيم بوشعيب مفكير
 
أصبحت الحاجة ملحة إلى إدراك خطاب دعوي متميز في واقع تتجاذبه العديد من التحديات لا سيما في زمن العولمة والتطور التكنولوجيا، وكثرة القنوات ….إلخ ..
وغير خاف دور الخطاب في تشكيل الأمة الإسلامية وبنائها، وتحريك رواكدها، وإثارة فاعليتها، وتغير واقعها، وبناء حضارتها، وتصويب مسيرتها، وإنضاج عقلها، وحسن قراءة تراثها، وتجديد معالم حياتها، وصوغ مصطلحاتها، وإبصار مستقبلها، وحمايتها من الذوبان والانقراض.
إن معجزة هذه الأمة بدأت من الخطاب، والكلام، المتضمن في الكتاب الحق كلام الله عز وجل، وسنة نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام ” وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ” ق 45. وقد أدرك الكفار أهمية الخطاب وخطورته ودوره في التأثير والتغيير، فما كان منهم إلا التشويش عليه، وبذل الجهد للحيلولة دون وصوله أو إيصاله ” لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون” فصلت 26، والفرار من سماعه ، حتى شبه القرآن حالهم بحمر مستنفرة فرت من قسورة .
ويعتبر البلاغ ” الخطاب” سبيل النهوض والارتقاء والحماية والفلاح ” قل لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا، إلا بلاغا من الله ورسالاته” الجن 22/23.
لابد من التمييز بين ” خطاب الإسلام” و” خطاب المسلمين”، فمصطلح ” خطاب الإسلام” تنصرف ابتداءً إلى خطاب الوحي بكل ألفاظه وظروفه وأحواله ومجالاته ومضامينه التي يعرض لها، هو ” الخطاب المعصوم” ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
أما ما وراء ذلك من الإنتاج الفكري والفقهي والعلمي والتعبير عن سائر الفهوم والجوانب المعرفية، فهو يمثل ” خطاب المسلمين” واجتهادهم وفهومهم في التعامل مع ” خطاب الإسلام” في الكتاب والسنة والسيرة، ومحاولاتهم تنزيله على واقع الحياة في كل زمان ومكان، وهو بطبيعة مصدره ( الإنسان) محل الخطأ والنسيان. ( الخطاب الإسلامي وفقه المناصحة عمر عبيدة حسنة) .
في تحديد المفاهيم:
الخطاب : جاء في لسان العرب ” الخطابة والمخاطبة: مراجعة الكلام… والخطبة، مثل الرسالة التي لها أول وآخر” ابن منظور لسان العرب ط 1 / 1994 ص 361.
والخطاب هو الكلام المعبر عنه بأشكال مختلفة والذي يقصد به الإفهام والتوضيح.
وقد وردت كلمة خطاب ثلاث مرات في القرآن الكريم في الآيات التالية :
قال تعالى ” وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب” سورة ص الآية 19/ فصل في الكلام وفي الحكم، وفصل في القضاء والمحاورة والخطب، وقيل هو علم القضاء، وقيل هو الإيجاز المعنى الكثير في اللفظ القليل
وقوله سبحانه ” إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب” سورة ص الآية 22./ أي غلبني في مخاطبته لأنه أبين مني وأشد مني
وقوله سبحانه” رب السموات والأرض وما بينهما، الرحمان لا يملكون منه خطابا” الآية النبأ الآية 37/ أي لا يقدر أحد على ابتداء مخاطبته إلا بإذنه ( تجديد الخطاب الديني صالح النشاط)
إن من بين مجالات الرسالية ، المسجد الذي هو وعاء الخطاب والتواصل مع المخاطبين:
المسجد: اسم مشتق من السجود، والمسجد اسم لمكان السجود،..
والمسجد في الاصطلاح قال الزجاج: كل موضع يتعبد فيه فهو مسجد، ألا ترى أن النبي عليه السلام قال ” وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا” وعرف الزركشي بأنه الموضع الذي يتعبد فيه.
والمسجد الجامع هو المكان الذي يجمع أهله ، والجامع نعت للمسجد لأنه علامة الاجتماع.وقد أصبح للفظ الجامع مدلوله السياسي في العهد الأموي ، حيث عرف وقتها بالمسجد الجامع ، وهو مسجد الدولة الرسمي الذي يؤم فيه الخليفة أو من ينوب عنه المسلمين في صلاة الجمعة ( المسجد ورسالته في الإسلام د: حوري ياسين حسين)
وللمسجد في تاريخ المسلمين دور سياسي وعسكري ، واجتماعي ، وإنساني، وقضائي، ودعوي ، وتعبدي ، ووسيلة لوحدة الأمة والمحافظة على كيانها مما يستوجب إعداد خطاب متميز، وملائم يسعى للقيام بدور التوجيه والإرشاد لما فيه خير الأمة وترسيخ العقيدة الإسلامية، وتعميق القيم الروحية لديهم، كما أن للمساجد دورها الفعال في جمع كلمة المسلمين، وتوحيد صفوفهم وتطلعاتهم، وبث روح التعاون والتكافل في حياتهم، وتثبيت الأخلاق الحميدة في نفوسهم.
إن المسجد مرتبط ارتباطا وثيقا بحياة المؤمن اليومية والأسبوعية والسنوية.فعندما فهم المسلمون هذا الدور وغيره من أدوار المسجد وأدوها على الوجه الصحيح كانوا شيئا مذكورا في التاريخ ، وعندما جهلوا تلك الرسالة عاشوا على هامش الحياة وتخبطوا في دياجير الظلام.
* مواصفات الخطاب النبوي:
يمكن إجمال بعض المواصفات التي ميزت الخطاب النبوي في ما يلي:
خطاب النبي عليه السلام المبلغ عن ربه سبحانه وتعالى كان هو خطاب الله تعالى للبشر
إنزال الناس منازلهم، ومخاطبتهم على قدر عقولهم، وعلى حسب سعة أفهامهم
تحقيق النبي عليه السلام للتواصل البناء بينه وبين باقي المخاطبين على الإطلاق عن طريق خطاب يراعي اللحظة التاريخية التي كانت تعيشها الدعوة.
خطاب النبي عليه السلام كان خطاب إفهام، وإقناع وتأثير، مشفوع بالحكمة والموعظة والجدال الحسن. (تجديد الخطاب الديني صالح النشاط)
* مرتكزات الخطاب الرسالي ومقوماته:
إن حاجة الدعاة إلى هذا الخطاب وكذا عامة المنخرطين في المجال كبيرة تقدر انطلاقاً من قيمة الخطاب ، فالذي لا يملك الخطاب ولا يستوعبه ليس بإمكانه إدراك عمق ما يدعو إليه.
فالخطاب الدعوي مصدره الوحي ومجاله التطبيقي العملي القدوة عليه السلام وفضاؤه مكة والمدينة وفي حقبة تاريخية محددة 23 سنة أثمرت جيلاً قرآنياً فريداً لم يتكرر ، وتطور هذا الخطاب حسب الحاجة إليه، ولما امتدت الدعوة وعرفت اتساعاً وخالطت ثقافات أخرى، فرض إبداع خطاب جديد يستجيب للمرحلة.
إنه لا غنى لأي داعية عن إدراك مقومات الخطاب ومرتكزاته والتعرف على الأساليب الدعوية المختلفة، فهو زاد الداعية يتعرف على مضمونه ويجتهد في تنزيله، ويعمل جاهدا على حفظ بعض نصوصه ، ولهذا قال أبو شعيب الدكالي رحمة الله عليه ناصحاً العلماء ” احفظ لتجد ما تقول”
إن الاطلاع على كتاب الله ومعرفة أسباب النزول والمعلوم من الدين بالضرورة، والاطلاع على تفاسير العلماء وكتاباتهم، والوقوف على سنة نبينا الخاتم عليه السلام، وقراءة السيرة وكتب الفقه، وتاريخ المسلمين، واستيعاب واقع الأمة والتحديات التي تواجهها أمر لازم بالنسبة لأهل الاختصاص الذين ندبوا أنفسهم للقيام بالوعظ والإرشاد والخطابة، وإجابة السائلين عن أمر الدين، أما عموم المسلمين فالخطاب الدعوي ينفعهم في حسن التعامل مع الناس ومخاطبتهم على قدر عقولهم، وكل يقوم بواجبه وفق المتاح له وبقدر الحاجة.
ومن أهم هذه المقومات والمرتكزات ، والتي يمكن الوقوف عليها انطلاقا من قوله تعالى ” ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ..”
فقد جمعت هذه الآية مرتكزات الخطاب الدعوة ومقوماتها كما بينت المنهج النبوي في هذا المجال ويمكن تتبع باقي المرتكزات والمقومات ، بين ثنايا الكتاب القرآن الكريم وأحاديث خير المرسلين.
فالخطاب الدعوي :
* خطاب إيماني ، لا يتيه معه المؤمن فهو يعرف المخاطب له وهو رب العزة الذي أرشده إلى الهدى ودين الحق، وأرسل له الأنبياء والرسل مبشرين ومنذرين كي لا يعيش حال التيه والضلال ، خطاب يرتكز على الإيمان بالغيب ومعرفة المعاد والوقوف على حقيقة التوحيد، توحيد الله بمعنى عدم الشرك به ، والإذعان له ، واتباع أوامره، والابتعاد عن نواهيه، لأن مصالح العباد في إدراك مقاصد الشريعة، وكل انحراف ضلال وتيه وزيغ عن الطريق السوي وشقاء للبشرية جمعاء، وحيثما كان الشرع كانت النجاة، وحيثما ابتعدنا عنه ضللنا وماذا بعد الضلال،” يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون” فكل مناحي الحياة لها ارتباط بالإيمان وحقيقته.
* وهو خطاب واضح: بيان للناس لا اعوجاج فيه ولا التواء، مستقيم من رب العالمين بلغه النبي عليه السلام كما جاء وكما نزل لا زيادة فيه ولا نقصان، ” ولو تقول علينا بعض الأقاويل..” وحاشاه ذلك وهو القائل اللهم قد بلغت اللهم فاشهد، وما عرف عنه عليه السلام الكذب قط حتى ولو كان مازحا.
* وهو خطاب رأفة ورحمة ولو كان مبلغه فظاً غليظ القلب لابتعد عنه الناس لكن شملهم بعطفه ومحبته ورحمته ” وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” فهو الرحمة المهداة جاء بشيراً ونذيراً ، ووظيفته عليه السلام تبليغ الرسالة ” إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً”
* وهو خطاب أمة الاعتدال الأمة الوسط التي جاءت شاهدة على باقي الأمم ، لا إفراط ولا تفريط ، توازن ين متطلبات الروح والجسد ، والدنيا والآخرة، لا يغلب جانبا على آخر.
* وخطاب متدرج :التدرج في الدعوة، والمتابعة، والاقتصاد في الموعظة، وإنزال الناس منازلهم، وتنويع أساليب الدعوة والتقويم..
 * و هو خطاب إيجابي وحكيم…وله مقومات و صفات.( يمكن الوقوف عليها في الرؤية الدعوية ).
إن مقومات الخطاب الدعوي تقتضي الدعوة الحكمة والموعظة الحسنة، والجدل بالحسنى، الذي يطمئن المحاور، ويشعر المجادل أن ذاته مصونة وقيمته كريمة. وأن الداعي لا يقصد إلا كشف الحقيقة في ذاتها والاهتداء إليها في سيبل الله، لا في سيبل ذاته ونصرة رأيه وهزيمة الرأي الآخر. دعوة باللسان وجدل بالحجة.
لقد جاء القرآن ليربي أمة وينشئ مجتمعاً ويقيم نظاماً … والتربية تحتاج إلى زمن وإلى تأثر وانفعال بالكلمة، وإلى حركة تترجم التأثر والانفعال إلى واقع … والنفس البشرية لا تحول تحولاً كاملاً شاملاً بين يوم وليلة وبقراءة كتاب كامل شامل للمنهج الجديد. إنما تتأثر بالتدرج، وقد جاء القرآن بمنهج للتربية يوافق الفطرة البشرية عن علم بها من خالقها. واعتمد المنهج النبوي العديد من الأساليب الدعوية كأساليب المنهج التشريعي، والمنهج الوجداني، والمنهج العقلي، ، كما اعتمد أساليب ووسائل منها : القدوة الحسنة، إفشاء السلام، الابتسامة الصادقة، الكلمة المتزنة، النصيحة، الدعاء، التهنئة، الهدية الدعوية، الزيارة الدعوية، والمراسلات الدعوية وغيرها….
ومكونات هذا الخطاب ترتكز على المكون الشرعي، المبني على كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه السلام، والمكون البشري ، وهو محمول على مدى فهم مبلغ الخطاب واستيعابه لتلك النصوص ومعرفة مناطتها، ويقتضي هذا الأمر تناغما بين المكونيين لتحقيق الخدمة الفعلية لشرع الله تعالى.
فماذا يعني لك أن تكون واعظا أو خطيباً رسالياً ؟
إن العنصر الرسالي في مفهوم الأمة هو عنصر الرسالة أي العطاء الذي تقدمه جماعة من الناس إلى بقية مجموعات الإنسانية ليساعد على بقاء النوع البشري ورقيه.لا يشترط في العنصر البشري أو المكون للأمة الروابط الدموية أو الجغرافية ولا الكم العددي.
فقد يكون هذا العنصر فردا واحدا، وقد يكون فئة أو جماعة أو جيلاً، أو أجيالاً أو الإنسانية كلها ما دامت تحمل رسالة ويوحدها فقه شامل لهذه الرسالة.
الأمة تتدرج في نشأتها ونموها كتدرج نمو الجسد الإنساني …. والأمة الراشدة هي التي تبلغ درجة الرشد الحضاري والنوعي، وأبرز شارات هذا النضج هو حمل رسالة الدعوة للخير بمعناه الواسع وإشاعته، والنهي عن المنكر بمعناه الواسع ومحاربته.
الأمة الراشدة لا يؤثر فيها التنوع واختلاف اللسن والألوان واللغات.
استمرار الأمة في الحياة مرهون باستمرار حملها للرسالة وما يتفرع عنها من تطبيقات في مجالات الحياة المختلفة. فإذا ضعفت عن حمل هذه الرسالة أو توقفت فاعليتها أو تقلصت تطبيقاتها انتهى وجود الأمة وحل محلها أمة أخرى.
إن الأمة كيان صناعي يمكن بناؤه وهدمه. فهي تخرج إخراجاً للقيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا الإخراج يقتضي منها بذل الجهد والمقدرات لتطوير المؤسسات التربوية والإدارية للقيام بالدراسة والتخطيط المستمر لإحكام تطوير الأمة وإخراجها بما تتطلبه وظيفتها حسب حاجات الزمان والمكان. “ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير………”

About هيئة التحرير

Leave a Reply

Your email address will not be published.

x

Check Also

تسجيل حالة كورونا جديدة بالناظور.. سائق تاكسي

   أكدت مصادر من داخل المستشفى الاقليمي بالناظور صباح يومه الجمعة عن إصابة حالة جديدة ...