موسم مولاي عبد الله أمغار… من عرس القبائل وذاكرة الوطن إلى رهانات السياسة ومظاهر الإختلال

لم يكن موسم مولاي عبد الله أمغار، خلال سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، مجرد موعد سنوي للإحتفال أو الفرجة، بل كان فضاءا إجتماعيا وإقتصاديا وثقافيا يجسد أصالة البادية المغربية، ويعكس قيم التضامن والتعارف والتنافس الشريف بين القبائل. وكان هذا الموسم يشكل مناسبة ينتظرها الجميع بشغف، لما تحمله من أبعاد تنموية وتراثية وإنسانية جعلت منه أحد أبرز المواسم الوطنية بالمغرب.

ففي تلك السنوات، كانت القبائل تعرض أجود منتجاتها الفلاحية، وتتبادل الخبرات في مجالات الزراعة والري والسقي، بينما يتباهى الفرسان بخيولهم في عروض “التبوريدة” التي كانت عنوانا للفروسية المغربية الأصيلة. كما كانت الخيام فضاءات لإستقبال الضيوف، وتوطيد أواصر الأخوة بين القبائل، بل إن العديد من المصاهرات كانت تنطلق من هذا الموسم الذي جمع المغاربة حول قيم التعايش والتآزر.

أما السهرات الليلية، فكانت مناسبة لإحياء الموروث الفني لكل قبيلة، من فنون شعبية وأهازيج وتراث شفهي، في مشهد يعكس التنوع الثقافي المغربي ويكرس أهمية المحافظة على الهوية الجماعية.
غير أن المتتبعين للشأن المحلي يرون أن الموسم عرف، خلال السنوات الأخيرة، تحولات عميقة أفقدته جانبا كبيرا من بريقه ورسالته الأصلية. ويعتبر كثيرون أن إدخال الحسابات السياسية والإنتخابية في تدبير هذا الموعد التراثي ساهم في إضعاف دور القبائل وشيوخها، الذين كانوا يشكلون العمود الفقري لإنجاح هذه التظاهرة التاريخية.
ويرى منتقدون أن بعض الخيام، التي كانت بالأمس فضاءات للتواصل وتلاوة القرآن وإستقبال الضيوف، تحولت في بعض الحالات إلى فضاءات لا تنسجم مع قدسية الموسم ورمزيته التاريخية، في وقت طغت فيه مظاهر الإستعراض السياسي والدعاية الإنتخابية على حساب الحفاظ على الهوية التراثية للمناسبة.
وفي المقابل، يثير عدد من الفاعلين أسئلة حول أولويات التدبير المحلي، معتبرين أن الجماعة مطالبة، بالتوازي مع تنظيم الموسم، بإيجاد حلول للمشكلات اليومية التي تعاني منها بعض الدواوير، وعلى رأسها ضعف البنيات التحتية، ونقص الماء الصالح للشرب، وغياب الطرق والمسالك القروية، وهي أوضاع تزيد من معاناة السكان، خصوصا المرضى والنساء الحوامل الذين يواجهون صعوبات كبيرة في الوصول إلى المراكز الصحية.
ويؤكد متابعون أن نجاح أي موسم أو مهرجان لا يقاس فقط بحجم الإحتفالات أو عدد الزوار، وإنما بمدى إنعكاسه على التنمية المحلية وتحسين ظروف عيش الساكنة، خاصة وأن جماعة مولاي عبد الله تعد من الجماعات التي تتوفر على مؤهلات وإمكانات مهمة.
ويبقى موسم مولاي عبد الله أمغار جزءا من الذاكرة الجماعية للمغاربة، ورصيدا تراثيا يستحق الحماية والتثمين بعيدا عن كل أشكال التوظيف السياسي أو المصالح الضيقة. فالحفاظ على هذا الإرث يقتضي إعادة الإعتبار لرسالته الأصلية، بإعتباره فضاءا للثقافة والتاريخ والتنمية، لا مجرد مناسبة عابرة، لأن تنمية الإنسان وخدمة المواطن تظل المقياس الحقيقي لنجاح أي مشروع أو تظاهرة.





