
ياسر اليعقوبي يكتب :
ما إن يُفتح باب الجدل حول الولاية الرابعة، حتى تهتز الذاكرة السياسية المغربية، كمن يسمع صدى بعيداً لزمنٍ كان يفيض بالفكر والجدل والمواقف المبدئية. ليس الجدل في حقيقته حول شخصٍ أو زعامة، بل حول فكرةٍ أكبر: هل ما زال هذا الحزب يحمل في داخله بقايا الحلم الذي تأسس من أجله؟ أم أنه أصبح جزءاً من نظامٍ سياسي يُعيد إنتاج ذاته من خلال الجميع؟
في كل مؤتمر أو محطة انتقالية، تُطرح الأسئلة نفسها بمرارةٍ متجددة: أيّ مصيرٍ لحزبٍ كان يوماً ضمير الوطن، مدرسةً في الفكر والموقف، ومختبراً لتجارب النخبة المثقفة في السياسة والمجتمع؟ وكيف لحزبٍ صاغ وعي أجيالٍ من المغاربة أن يجد نفسه اليوم في موقع المتفرّج على التاريخ، عاجزاً عن تفسير الحاضر أو رسم ملامح المستقبل؟
الذين يرفضون الولاية الرابعة لا يعترضون فقط على مبدأ الاستمرارية، بل على رمزية هذا التكرار الذي يعكس مأزق الفكر قبل مأزق الأشخاص. إنهم يرون في ذلك علامة على أن الحزب، الذي وُلد من رحم المقاومة والنضال ضد السلطوية، صار أسيرَ بنيتها الداخلية، يمارس ما كان ينتقده بالأمس. أما أنصار التمديد، فيرون في البقاء نوعاً من الواقعية السياسية، فالمشهد الحزبي المغربي اليوم لا يعيش على التداول بل على التوازنات، ولا يحيا بالتغيير بل بالاستمرار.
لقد كان الاتحاد منذ تأسيسه سنة 1959، على يد نخبةٍ خرجت من رحم حزب الاستقلال، يعبّر عن طموحٍ لتجديد الفكر الوطني وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. وكان المهدي بنبركة، يرى أن المعركة ليست من أجل الوصول إلى السلطة بل من أجل بناء مجتمعٍ يعي ذاته ويقرر مصيره. قال ذات يوم: “نحن لا نريد أن نحكم الناس، بل نريد أن نعلّمهم كيف يحكمون أنفسهم.”
كانت تلك الرؤية نواة الفكر الاتحادي، الذي جمع بين الاشتراكية الديمقراطية والنزعة الوطنية التحديثية.
ثم جاء عقد السبعينات، فكان للحزب موعدٌ مع المجد والنار معاً: القمع، الاعتقالات، الاختطافات، والمنفى. ومع ذلك، ظل الاتحاد الاشتراكي عنواناً للأمل، لأنه كان يمتلك ما لم يمتلكه غيره: فكرٌ نقدي، ونخبةٌ مثقفة، ورصيدٌ أخلاقي. وفي تلك المرحلة برز عبد الرحيم بوعبيد، الرجل الذي اختار الصدق على حساب المناصب، حين رفض القبول بنتائج استفتاء 1981 حول الصحراء المغربية وقال عبارته الشهيرة: “لا يمكن أن نؤيد سياسة لا نشارك في صنعها.”
تلك الجملة لم تكن مجرد موقفٍ سياسي، بل كانت إعلاناً عن معنى النضال الاتحادي: أن تكون في المعارضة لا لأنك خارج الحكم، بل لأنك داخل الحقيقة.
لكن الحزب الذي عاش على أخلاق المعارضة وجد نفسه، بعد 1998، وجهاً لوجه مع السلطة في حكومة التناوب بقيادة عبد الرحمن اليوسفي. كانت تلك اللحظة بالنسبة للكثيرين تتويجاً لنصف قرنٍ من النضال، لكنها كانت في الوقت ذاته بداية الانحدار البطيء. فدخول السلطة لم يكن انتقالاً من النضال إلى الحكم بقدر ما كان انتقالاً من الحلم إلى الواقع، من الخطاب إلى الممارسة. قال اليوسفي ذات مرة: “كنا نظن أننا سنغير الدولة، فاكتشفنا أننا نحن الذين تغيّرنا.”
ومنذ تلك اللحظة، بدأ الاتحاد يفقد شيئاً فشيئاً، روحه النقدية التي كانت تمنحه خصوصيته. لم تعد الشعارات تجد صدىً لدى الأجيال الجديدة، ولم تعد القاعدة الحزبية تشعر بأنها تصنع القرار. ومع توالي المؤتمرات، صار الحزب يشبه ما كان ينتقده: زعاماتٌ دائمة، مؤتمراتٌ شكلية، صراعاتٌ داخلية على المقاعد، وابتعادٌ متزايد عن المجتمع الذي أنجبه.
ولعل الجابري، الفيلسوف الاتحادي الذي قرأ العقل العربي بعيون نقدية صارمة، كان أول من فهم هذا الانزلاق. كتب في أحد نصوصه: “حين تفقد الفكرة حاملها الاجتماعي، تتحول إلى شعار بلا روح.” لقد رأى بعين المفكر ما لم يره السياسي بعين البراغماتي: أن الاتحاد يشيخ، لا بسبب العمر التنظيمي، بل بسبب شيخوخة الفكر داخله.
اليوم، حين يثار النقاش حول الولاية الرابعة، لا يتعلق الأمر بشخصٍ أو زعيمٍ بعينه، بل بالجوهر ذاته: هل ما زال الحزب يمتلك ما يجعله مختلفاً عن غيره؟ أم أنه أصبح مثل باقي الأحزاب، يكرّر الطقوس نفسها ويعيد إنتاج نفس البنية السلطوية التي طالما حاربها؟
الواقع أن الولاية الرابعة ليست سوى مرآة لحقيقة أكبر: الاتحاد الاشتراكي لم يعد يعيش مأزق القيادة بل مأزق الفكرة. إنه، كما قال أحد قدمائه، “حزبٌ يحمل جثمان فكرةٍ ويمشي بها كي لا تُنسى.” وربما لو عاد المهدي بنبركة من منفاه الأبدي، لقال إن الحزب الذي أراد أن يكون ضمير الأمة صار صدىً باهتاً لذاكرتها. ولو عاش بوعبيد لحظة التمديد، لابتسم بأسى وقال عبارته الخالدة: “الجرأة في السياسة أن تقول لا حين يكون الجميع يقول نعم.”
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن في هذا التمسك بالبقاء شيئاً من روح المقاومة. فالحزب الذي قاوم الرصاص والسجون والمنافي، لا يريد أن يختفي بهدوءٍ في غبار النسيان. ربما لا يملك القدرة على التجديد الفكري كما في الماضي، لكنه لا يزال يحمل في خلاياه ذاكرة الوطن، ذاكرة النضال والكلمة والموقف. هو، بتعبير الجابري، يعيش تناقضه ليبقى.
هكذا، حين يمدد الاتحاد لقيادته، فهو لا يعلن فقط نهاية دورةٍ ديمقراطية، بل يعلن استمرار أسطورةٍ تحاول أن تتنفس رغم أنف الزمن.
أسطورةٌ تعرف أنها على حافة الهاوية، لكنها ترفض السقوط فيها. فربما كان هذا البقاء، بكل تناقضاته، شكلاً آخر من أشكال الوفاء، أو لعلّه اعترافٌ ضمني بأن “النبوءة الجابرية” قد تحققت فعلاً: الفكرة ماتت حين صارت شعاراً، والشعار بقي لأننا لم نعد قادرين على إنتاج فكرةٍ جديدة.





