
“نتنياهو بين “عقدة الطوفان” و”غواية القوة”: قراءة في العقل السيكواستراتيجي لرجل إسرائيل الأقسى”.
النوع: ورقة تحليل نفسي – استراتيجي – سياسي
الهدف: تفكيك عقل نتنياهو بين التكوين الثقافي – العقد النفسية – خلفية الدعم الغربي – والاستراتيجية التوسعية
عن : مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية – 2025م.
——
التمهيد: لماذا نقرأ عقل نتنياهو الآن؟
تُعد قراءة العقل الاستراتيجي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضرورة حيوية في لحظة يتقاطع فيها الجنون الشخصي بالمشروع الإقليمي، ويختلط فيها الغرور التاريخي بالواقع الميداني المتصدع. فبعد عامين من حرب مفتوحة على الشعب الفلسطيني، وفي ظل فشل متكرر في كسر إرادة غزة، وفي إخفاق ذريع في إدارة التوازنات الداخلية والدولية، بدأت تحولات نتنياهو النفسية والسلوكية تترك بصماتها على السياسات الإسرائيلية، وتنقل الدولة من منطق الردع إلى منطق الانتحار الاستراتيجي.
ما بين “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023، و”محاولة اغتيال قادة حماس في الدوحة” في سبتمبر 2025، تبدو شخصية نتنياهو وقد دخلت طورًا جديدًا من الإفراط في استخدام القوة، والتخبط في إدارة التحالفات، والإمعان في توسيع مسرح الحرب. لم يعد الرجل يدير دولة فحسب، بل أصبح يُجسّد أزمة شاملة لكيان مأزوم، يخشى النهاية، ويهرب إلى الأمام عبر بوابة الدم والنار.
هذا التمهيد لا يستهدف فقط تحليل شخصية نتنياهو بوصفه زعيمًا سياسيًا، بل يسعى إلى الغوص في البنية النفسية والثقافية والفكرية التي تُحرّكه، واستكشاف كيف تؤثر هذه البنية على توجهات إسرائيل الإستراتيجية، وعلى مستقبل المنطقة ككل. فحين يقود رجل مشبع بالأساطير، مأزوم بالهواجس، مدعوم من أقصى تيارات اليمين الديني والعالمي، وتمنحه واشنطن غطاء غير محدود، فإن السؤال الأهم لم يعد: “إلى أين يذهب نتنياهو؟”، بل: “إلى أين يجرّ المنطقة معه؟”.
من هنا تنبع خطورة اللحظة، وتُصبح قراءة عقل نتنياهو بمثابة قراءة في مستقبل الحرب والسلام، وفي إمكانيات الردع والمواجهة، وفي قدرة الشعوب والدول على كبح جماح من يحاول إشعال المنطقة ليهرب من فشله الشخصي والسياسي.
أولًا: نتنياهو بين الإرث العائلي والعقيدة الصهيونية المتطرفة.
لا يمكن فهم نتنياهو كفاعل استراتيجي دون التوقف أمام جذوره الفكرية والعقائدية، وأثر النشأة على تكوينه العقلي والنفسي. فقد نشأ بنيامين نتنياهو في بيئة عائلية يمينية متطرفة، حيث كان والده “بنتسيون نتنياهو” مؤرخًا صهيونيًا من أبرز منظري فكرة “إسرائيل الكبرى”، ومؤمنًا عميقًا بأن الصراع مع العرب وجودي لا يمكن حله بالتسويات. هذا الإرث الفكري زرع في نتنياهو قناعة راسخة بأن القوة وحدها هي التي تحمي إسرائيل، وأن التساهل أو الضعف مآله الفناء.
عقائديًا، تأثر نتنياهو بالتيار “الجابوتنسكي” الصهيوني اليميني، الذي يرى أن بقاء إسرائيل مرهون بالردع المستمر، وفرض الوقائع بالقوة، وعدم الاعتراف بالحقوق الوطنية للفلسطينيين. هذه القناعة ترسخت في ذهنه السياسي منذ بداياته الدبلوماسية في الأمم المتحدة، وحتى تسلمه رئاسة الحكومة في تسعينيات القرن الماضي، وتعمقت لاحقًا مع صعود القوى التوراتية واليمين الديني القومي داخل إسرائيل.
إن شخصية نتنياهو ليست فقط نتاج مشروع سياسي، بل هي تجسيد لعقيدة أمنية تستبطن الاستعلاء الديني، والعداء الوجودي للعرب، والاعتقاد بأن الغرب (وخاصة الولايات المتحدة) سيظل في صف إسرائيل مهما فعلت. وهذا ما يجعله أخطر من مجرد رئيس وزراء تقليدي: فهو قائد يؤمن بمهمته التاريخية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط على مقاس إسرائيل القومية المتطرفة، ولو كان الثمن هو إحراق المنطقة بأكملها.
وعليه، فإن فهم إرثه العقائدي ومكوناته التكوينية ليس ترفًا تحليليًا، بل هو ضرورة لفهم سلوكه المتطرف، ولرصد تحولات إسرائيل تحت قيادته، وللتمسك بخيارات المواجهة الاستراتيجية التي تدرك عمق المشروع لا سطح السياسة.
ثانيًا: التحولات النفسية والعقلية لنتنياهو بعد “طوفان الأقصى”
منذ فجر السابع من أكتوبر 2023، تاريخ عملية “طوفان الأقصى”، شهدت شخصية نتنياهو تحولًا عميقًا في البنية النفسية والعقلية. فقد شكلت العملية صدمة كبرى له على المستويين السياسي والرمزي، إذ إنها كسرت صورة الردع التي بناها خلال عقود، وهزّت الثقة في جيشه وأجهزته الأمنية، وضربت أسطورة “الدولة التي لا تُفاجَأ”.
هذه الصدمة النفسية حوّلت نتنياهو إلى قائد مأزوم، مشوّش، يهرب إلى الأمام باستراتيجيات انتقامية متطرفة، عوضًا عن التفكير المنهجي والعقلاني الذي اعتاده سابقًا. أصبح أكثر عزلة داخل مؤسسته السياسية والعسكرية، وأكثر تبعية للمكونات الفاشية داخل حكومته من أمثال بن غفير وسموتريتش. كما أن علاقته بالمؤسسة الأمنية باتت متوترة، بعدما حمّلها جزءًا من المسؤولية، بينما تتهمه هي بالتقاعس والانشغال بمصالحه الشخصية قبيل الطوفان.
داخليًا، بات نتنياهو يتحرك بدافع “رد الشرف المهدور”، و”استعادة الهيبة”، ويبرر كل خطواته، مهما كانت همجية، بأنها ضرورة “لحماية أمن إسرائيل”. أما خارجيًا، فقد بات يستند بشكل كلي إلى الدعم الغربي المفتوح، لا سيما من إدارة بايدن، لتوسيع بنك الأهداف وتوسيع أمد الحرب.
هذه التركيبة النفسية المرتبكة – المتأرجحة بين الغضب الشخصي والضغط السياسي والميل العقائدي إلى العنف – تجعله أكثر خطورة، لأنه لم يعد يبحث فقط عن تحقيق أهداف استراتيجية، بل أيضًا عن “انتقام تاريخي” يعيد تشكيل وعي المنطقة، ويغطي على فشله الشخصي.
وعليه، فإن فهم الحالة النفسية لنتنياهو ما بعد الطوفان مهم جدًا لفهم ديناميكيات الحرب، ومآلاتها، واحتمالات توسعها، وما إن كان سيجرّ المنطقة إلى حافة حرب إقليمية شاملة، تحت وهم “استعادة الردع”.
ثالثًا: نتنياهو بين العقل التوراتي والحلم الإمبراطوري.
لفهم استراتيجيات بنيامين نتنياهو وتوجهاته المتطرفة، لا بد من الوقوف عند البعد التوراتي – الأيديولوجي في تكوينه الفكري والسياسي. فهو ليس مجرد سياسي واقعي براغماتي كما يُصور أحيانًا، بل يحمل في داخله سرديات دينية – تاريخية تعتبر أن “أرض إسرائيل الكبرى” حق مقدّس غير قابل للتفاوض، وأن اليهود وحدهم من يملكون السيادة عليها، من النيل إلى الفرات.
نتنياهو نشأ وتربى في بيئة صهيونية يمينية متطرفة، متأثرة بفكر “جابتنسكي” ومنظري الصهيونية القومية. ووالده “بن تسيون نتنياهو” – الذي كان مؤرخًا صهيونيًا بارزًا – غذّى فيه هذا الاتجاه، ورباه على أن الوجود العربي في فلسطين هو عقبة يجب تجاوزها، لا شريكًا في السلام أو التعايش.
هذا البعد التوراتي – الإمبراطوري يتجلى في خطاب نتنياهو العلني الذي أصبح أكثر تطرفًا في السنوات الأخيرة، لا سيما بعد صعود تحالفه مع التيارات الدينية القومية، وتبنيه الكامل لأجندة “الهيكل” و”تهويد القدس”، ومشروع “السيطرة الأمنية الكاملة” على الضفة وغزة وكل الأراضي الممتدة نحو الشرق.
كما أن إعلان “خريطة إسرائيل الكبرى” في سياق الحرب الأخيرة – التي تضم الضفة وسيناء والأردن – ليس مجرد تهديد دعائي، بل يعكس عقلًا توسعيًا يرى في الصراع مع الفلسطينيين والعرب صراعًا وجوديًا على الرواية، لا على الحدود فقط.
ومن هنا، يصبح نتنياهو قائدًا ليس فقط مأزومًا سياسيًا، بل مأزومًا حضاريًا، يحمل في ذهنه مشروعًا لا يمكن تحقيقه إلا بالصدام الدائم، وبتوسيع ساحات الحرب، وهو ما يجعل استمراره خطرًا على المنطقة بأكملها.
رابعًا: الحالة النفسية لنتنياهو بعد الطوفان.. من الهلع إلى الهروب للأمام
منذ انطلاق عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023، تعرّض بنيامين نتنياهو لهزة عميقة على المستويين السياسي والنفسي. فهو، الذي قضى عقودًا يقدم نفسه كرمز للأمن والسيطرة والردع، وجد نفسه أمام أكبر انهيار أمني وعسكري في تاريخ إسرائيل. وقد بدا واضحًا من خطاباته المرتبكة ومواقفه المتشنجة، أن الصدمة أربكته ودفعت به نحو حالة من الهلع الاستراتيجي.
المراقب لسلوك نتنياهو بعد الطوفان، يلاحظ سلسلة من المواقف النفسية التي تكشف حجم الأزمة التي يمر بها:
• نوبات الإنكار والإنكار المضاد: فبعد الطوفان مباشرة، حاول نتنياهو تحميل المسؤولية للجيش والشاباك، ثم عاد ليُظهِر نفسه كقائد للحرب! هذا التذبذب عكس اضطرابًا داخليًا عميقًا.
• الاندفاع العدواني كوسيلة تعويضية: فكلما زادت فضائح الفشل، لجأ نتنياهو إلى تصعيد أوسع، سواء في غزة أو لبنان ثم إيران، أو بمحاولة استهداف قيادات المقاومة خارج الحدود، كما حدث في لبنان واليمن وإيران ثم عملية الدوحة الأخيرة.
• استثمار الحرب للبقاء السياسي: يشعر نتنياهو أنه في معركة وجود شخصي، وأن أي تهدئة قد تطيح به، سواء عبر القضاء أو عبر خصومه في الحكومة والكنيست. لذا يختبئ خلف الدخان والنار، ويهرب من المساءلة بالذهاب نحو التصعيد المستمر.
هذه الحالة النفسية المأزومة تشكل خطرًا ليس فقط على إسرائيل، بل على المنطقة كلها، لأنها تقود رئيسًا مأزومًا إلى قرارات كبرى مدفوعة بالهواجس لا بالحسابات الباردة، مما يفتح الباب أمام مغامرات غير محسوبة قد تفجر المنطقة كلها في لحظة من الغضب أو الخوف أو الانهيار الداخلي.
خامسًا: نتنياهو بعد عامين من الغطرسة والعدوان.. هل يقود إسرائيل إلى الهاوية؟
بعد مرور عامين على تفجّر حرب غزة الأخيرة، وتحوّلها إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، يبدو أن بنيامين نتنياهو قد بلغ ذروة مغامرته الاستراتيجية، لكنها ذروة محفوفة بالفشل والانهيار. فالرجل الذي بنى مجده السياسي على مزيج من القوة والغطرسة، يقود اليوم إسرائيل في نفق مظلم من الاستنزاف المتواصل والتورط الأخلاقي والسياسي أمام العالم.
في عامين فقط، جرّ نتنياهو إسرائيل إلى:
• حرب مفتوحة بلا أفق في غزة، أفقدت الاحتلال هيبته، وكشفت عجزه عن الحسم رغم القوة النارية الهائلة.
• انكشاف إقليمي غير مسبوق، تجلّى في التوتر مع مصر، وتآكل الردع على الحدود اللبنانية، وعمليات ومحاولات التصفية في الخارج.
• تدهور غير مسبوق في صورة إسرائيل عالميًا، حيث تحوّلت إلى دولة معزولة أخلاقيًا متهمة بجرائم حرب وإبادة.
والأسوأ أن كل هذا يتم وسط دعم أمريكي وغربي مفتوح، ما يكشف أن المشكلة لم تعد في الدعم الخارجي، بل في أزمة المشروع الصهيوني نفسه، الذي فقد قدرته على الانتصار رغم كل هذا الزخم.
نتنياهو لم يعد يملك رؤية استراتيجية للخروج، بل فقط أدوات للمراوغة والمقامرة. إنه يقود إسرائيل نحو الهاوية بثقة الوهم وغرور اللحظة، معتمدًا على دعم خارجي مؤقت، وغافلًا عن الحقيقة الكبرى: أن هذا المشروع لا يمكن أن يستمر في قلب محيط عربي وإسلامي ينهض ويتغيّر، مهما طال زمن الغطرسة.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد: متى ينتصر نتنياهو؟ بل: متى تسقط هذه الغطرسة تحت وطأة الواقع؟
سادسًا: مستقبل إسرائيل في ظل إدارة نتنياهو: مأزق المشروع أم نهاية الدور؟
تبدو إسرائيل، تحت قيادة نتنياهو، وكأنها تمضي بثبات نحو مأزق استراتيجي عميق، يتجاوز تحديات الحرب والأمن ليطال أسس وجودها ورؤيتها المستقبلية. فالمعادلة التقليدية التي اعتمدت عليها الدولة العبرية منذ نشأتها—وهي: الردع بالقوة، وتماسك الجبهة الداخلية، ودعم الغرب—قد بدأت في التآكل على نحو متسارع.
فمن جهة، تآكل الردع العسكري أمام حركات المقاومة، لا سيما بعد فشلها في إنهاء قوة “الـمقاومة” في غزة رغم الحصار والتدمير، ومن جهة ثانية، تضعضع الجبهة الداخلية الإسرائيلية سياسيًا واجتماعيًا، بسبب الانقسام الحاد بين القوى السياسية وتضخم أزمات الهوية والفساد والاستيطان، ومن جهة ثالثة، تآكل الرصيد الأخلاقي الدولي بعد التغطية الغربية المفتوحة على الإبادة الجماعية في غزة.
لكن الأخطر هو أن نتنياهو يواجه تحديًا وجوديًا لمشروعه، يتمثل في سؤال لم يكن مطروحًا بجدية منذ عقود: هل تستطيع إسرائيل الاستمرار كمشروع استيطاني استعلائي توسعي في قلب منطقة عربية وإسلامية شديدة التغيّر؟
إن تصدير الأزمة إلى الخارج، ومحاولة تفجير العواصم وتوسيع ساحات القتل، لن يوقف التدهور بل قد يسرّعه. فكل خطوة تصعيدية جديدة، خارج حدود فلسطين، تُقرب إسرائيل أكثر من مواجهة إقليمية شاملة أو عزلة استراتيجية خانقة.
نتنياهو لا يبدو منشغلًا بطرح بدائل استراتيجية قابلة للبقاء، بل يركّز على تمديد اللحظة الراهنة أطول وقت ممكن، ولو على حساب الحلفاء، أو حتى على حساب إسرائيل نفسها.
وهنا تطرح النخب الصهيونية سؤالًا مرعبًا بدأ يظهر في كتاباتهم: هل حان وقت استدعاء مشروع “الهروب الكبير” بدلًا من “إسرائيل الكبرى”؟
سابعًا: الهروب إلى الأمام… هل يسعى نتنياهو إلى “حرب كبرى” تنقذه من المأزق الداخلي؟
في ظل تصاعد الضغط الداخلي، وتنامي الخسائر السياسية والأخلاقية لإسرائيل، تبدو بعض تحركات نتنياهو أشبه بـ”الهروب إلى الأمام”، لا سيما من خلال توسيع رقعة الاشتباك إقليميًا، ومحاولة جرّ قوى جديدة إلى ساحة الحرب. فبعد الفشل المتكرر في كسر غزة، وانتكاس مشروع التهجير، وانكشاف المشروع الإسرائيلي في ساحات القانون والرأي العام العالمي، لم يعد لدى نتنياهو سوى الرهان على صدمة جديدة تُعيد ترتيب أوراق اللعبة.
في هذا السياق، تزداد المؤشرات على أن نتنياهو يخطط لحرب خارجية محدودة أو مفاجئة، قد تشمل جنوب لبنان، أو مناطق في سوريا، أو حتى حدود مصر وسيناء، على نحو “مدروس” يخلط الأوراق دون أن يؤدي إلى انفجار شامل. هذا السيناريو، وإن بدا محفوفًا بالمخاطر، قد يمنحه:
• فرصة لتوحيد الجبهة الداخلية خلفه.
• تأجيل المساءلة السياسية والقضائية.
• استثمار الدعم الغربي عبر استحضار خطاب “التهديد الوجودي”.
• اختبار قدرة محور المقاومة على الرد خارج فلسطين.
إلا أن مثل هذا السيناريو، وإن أنقذه لحظيًا، قد يتحول إلى نقطة انكسار حاسمة، إذا ما فُتحت جبهات متعددة، أو انهارت الحسابات الميدانية، أو دخلت أطراف دولية بطرق غير محسوبة.
إن المأزق الاستراتيجي لنتنياهو لا يُحل بالمزيد من المغامرات، بل يُفاقم هشاشة المشروع الصهيوني، ويجعل مستقبل إسرائيل رهينة حاكم مأزوم يُراهن على الخراب ليبقى في الحكم.
ثامنًا: نتنياهو بعد عامين من الطوفان… بين إرث الغطرسة وسقوط السردية.
منذ اندلاع “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023، دخلت إسرائيل بقيادة نتنياهو في حالة غير مسبوقة من الغطرسة السياسية والاستراتيجية، معتقدًا أن بإمكانه سحق المقاومة، وتغيير المعادلات في المنطقة، وإعادة تشكيل الشرق الأوسط على مقاس إسرائيل الكبرى. وخلال عامين من الحرب، استخدم كل أدوات الدمار والإبادة، وسخّر أقصى درجات الدعم الأميركي والغربي، لكنه فشل في حسم المعركة أو تحقيق نصر يُسوّق به نفسه.
لقد راهن نتنياهو على كسر غزة، وانتهى إلى فضيحة أخلاقية وإنسانية عالمية، وهزيمة استراتيجية تتجلى في:
• انهيار صورة الردع الإسرائيلي.
• تآكل الثقة داخل المؤسسة العسكرية والسياسية.
• اهتزاز الموقف الدولي بعد مشاهد المجازر والدمار.
• فقدان الثقة في “الزعيم القوي” داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.
الآن، وبعد مرور عامين، يقف نتنياهو كزعيم مُثقل بالأوهام، يعيش على الأطلال، ويراهن على أن الزمن سيمنحه نصرًا ما، بينما تسقط سرديته واحدة تلو الأخرى، من “الجيش الذي لا يُقهر” إلى “الكيان الديمقراطي الوحيد في الشرق الأوسط”.
إن المأزق ليس فقط مأزق احتلال، بل مأزق قيادة تعيش في القرن العشرين، بينما تسير الوقائع في في القرن الجديد في اتجاهات جديدة لا يستطيع نتنياهو قراءتها أو مجاراتها، وهو ما ينذر بانفجار داخلي، أو بتغيير قادم قد يكون من داخل إسرائيل نفسها قبل أن يكون من خارجها.
عاشرًا: ملامح المواجهة المقبلة وفرص صناعة معادلة ردع إقليمية جديدة.
إن استمرار العقلية التوسعية لنتنياهو، ومحاولاته لنقل الحرب من غزة إلى العواصم العربية، يستدعي إعادة التفكير في معادلة الردع الإقليمي، وبناء جبهة استراتيجية جديدة قادرة على كبح الغطرسة الإسرائيلية المتصاعدة. فإسرائيل لم تعد تكتفي بالاشتباك مع المقاومة داخل حدود فلسطين، بل باتت تتطلع لضرب حلفاء المقاومة في الخارج، وتصفية القيادات السياسية والعسكرية أينما وُجدت.
هذا التحول يفرض على الأطراف العربية والإسلامية:
• تعزيز التعاون الاستخباراتي والأمني لمواجهة الحرب غير التقليدية التي تشنها إسرائيل بطائرات مسيرة وفرق اغتيال.
• صياغة تفاهمات إقليمية تؤكد رفض تحويل العواصم العربية إلى ساحات لتصفية الحسابات الإسرائيلية، وإعلان خطوط حمراء تُلزم إسرائيل بعدم انتهاك السيادة العربية والإسلامية.
• دعم المقاومة الفلسطينية ليس فقط بالسلاح والسياسة، بل بمنظومة حماية شاملة تمتد إلى المنافي، وتوفّر لها الحاضنة الآمنة لإعادة التموضع.
• العمل على تحشيد دولي لإدانة سياسة الاغتيالات خارج نطاق القانون الدولي، وطرح ملف الانتهاكات الإسرائيلية أمام المحاكم الجنائية والهيئات الأممية.
المعركة لم تعد فقط مع الاحتلال داخل حدود فلسطين، بل أصبحت مع منطق الاستباحة الإسرائيلية الذي يهدد استقرار الإقليم بأسره. والمطلوب اليوم ليس فقط الدفاع، بل الانتقال إلى مستوى استراتيجي جديد من المواجهة يردع المعتدي، ويحفظ سيادة الدول، ويُشعر الاحتلال أن الدم العربي ليس مباحًا، وأن الاغتيال السياسي لن يمر دون ثمن.
التوصيات: نحو استيعاب عقل الخصم واحتواء انفجاراته وانحرافاته.
1. توسيع دوائر فهم العقل الإسرائيلي من الداخل، لا سيما في ظل القيادة المتطرفة والمأزومة نفسيًا التي يمثلها نتنياهو، عبر وحدات بحثية متخصصة تراقب وتحلل القرار السياسي والعسكري الإسرائيلي من منظور نفسي وسلوكي.
2. الاستثمار في الانقسام الإسرائيلي الداخلي، واستغلال حالة الشك والتآكل التي تعيشها المنظومة الأمنية والسياسية الإسرائيلية بفعل طول أمد الحرب والفشل في تحقيق أهدافها.
3. بناء معادلات ردع متدرجة ومدروسة، تدرك أن نتنياهو قد يدفع باتجاه التصعيد لتغطية إخفاقاته، مما يستدعي خطابًا عسكريًا وسياسيًا لا ينزلق للاستفزازات، لكنه لا يتردد في فرض أثمان باهظة على أي تجاوز.
4. تفعيل استراتيجية أمنية شاملة لحماية قادة المقاومة في الخارج، خصوصًا في العواصم التي باتت هدفًا مباشرًا للاغتيالات، مع إشراك الدول الحليفة في تحمل مسؤولياتها الأمنية.
5. التعامل الحذر مع عروض التهدئة الأمريكية، باعتبارها جزءًا من إدارة الأزمة لا من حلها، وضمان ألا تتحول إلى غطاء لجرائم نتنياهو أو لالتقاط الأنفاس الإسرائيلية قبل جولة عدوان جديدة.
الخاتمة: حين يتصدع العقل.. تفلت الخيوط من اليد
تُظهر حالة نتنياهو اليوم نموذجًا لقائد مأزوم نفسيًا، تتراكم عليه الضغوط من كل اتجاه: فشل عسكري، مأزق سياسي، عجز عن حماية الجنود، وتآكل الردع في الداخل والخارج.
في عقله تتصارع الرغبة في الانتصار الرمزي بأي ثمن، مع شعور عميق بالهزيمة والتفكك. وهذا الخليط هو الأخطر حين يملك صاحبه ترسانة نووية ودعمًا أمريكيًا مفتوحًا.
إن ما بين الطوفان والدوحة ليس مجرد مسافة زمنية، بل هو ارتطام تدريجي بين عقل إسرائيلي مأزوم، وإرادة مقاومة متصاعدة، وبيئة إقليمية بدأت تستعيد وعيها وكرامتها.
ومع كل ضربة جديدة يتلقاها، يزداد نتنياهو خطرًا على الجميع؛ على شعبه أولًا، وعلى المنطقة ثانيًا.
لهذا، فإن فهم هذا العقل لا يكفي، بل يجب تحصين ساحاتنا، وتوسيع أدوات الردع، وتثبيت حقنا في الحياة والكرامة أمام عقل يقود إسرائيل نحو حافة الجنون… وربما نحو حافة النهاية.





