الواجهة

“نجاح التظاهرات الرياضية لا يُبنى بالحجر فقط… بل بالإنسان أولًا”

 

توطئة:
يستعد المغرب لاحتضان حدثين رياضيين كبيرين: كأس إفريقيا للأمم سنة 2026، وكأس العالم 2030، بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال. والكل يشهد بأن وتيرة العمل تسير بسرعة على مستوى البنية التحتية: من تشييد الملاعب الحديثة، وتحديث شبكة الطرق، والمطارات، والفنادق، إلى تعزيز الطاقة والخدمات الأساسية.
لكن، وبينما تُبنى الملاعب وتُعبد الطرقات، يبرز سؤال أساسي لا يجب إغفاله، وأوجهه هنا إلى كل المعنيين بالأمر:
هل تكفي البنية التحتية وحدها لإنجاح هذين الحدثين العالميين؟
أم أن هناك ما هو أعمق وأخطر يجب الاشتغال عليه، قبل أن نجد أنفسنا نعتذر للعالم عن أخطاء لم تكن في الحسبان؟
جوهر الموضوع:
1- أهمية العنصر البشري في إنجاح التظاهرات الكبرى.
كل البنية التحتية في العالم لا تساوي شيئًا إذا كان السلوك العام فوضويًّا، والضمير المهني غائبًا، والوعي السياحي شبه منعدم. فالزائر لا يتذكر فقط الملاعب والفنادق، بل يتذكر السائق الذي احترم (أو لم يحترم) قوانين السير، يتذكر الشرطي الذي رحب به (أو عبس في وجهه)، ويتذكر النادل، والمرشد السياحي، ورجل النظافة، والمواطن العادي في الشارع.
وعليه، فإننا بحاجة إلى تأهيل شامل للعنصر البشري، من خلال:
دورات تكوينية لمهنيي النقل، الأمن، السياحة، والخدمات.
حملات توعية مواطنة، تستهدف الأخلاق العامة، النظافة، التعامل مع الأجانب.
غرس ثقافة “السفير غير الرسمي”، فكل مواطن هو واجهة بلاده.

2- التحدي الأمني: أمن الزائر من أمن البلد.
الرهان الأمني لا يقل أهمية عن البنية التحتية، فالعالم يراقب كيف سيتعامل المغرب مع هذه الأعداد الهائلة من السياح والمشجعين، من جنسيات وخلفيات وثقافات مختلفة.
وعليه، يجب:
تعزيز اليقظة الأمنية دون الإفراط في التواجد البوليسي المزعج.
الاستثمار في الأمن السيبراني لحماية المعطيات، خاصة في زمن الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة.
تطوير قدرات أجهزة الاستخبارات في الرصد المبكر لأي تهديد، دون المساس بالحريات.

3- الرهان الثقافي والسلوكي:
لا يمكن استقبال العالم ونحن نُسيء لبعضنا البعض في الشارع، أو نعامل السائح كمصدر للربح فقط. فـ”الاستغلال السياحي” و”النصب على الأجانب” من أكثر ما يُشوه صورة الدول، ولا يمكن تجميل ذلك بالبنايات الزجاجية والملاعب العصرية.
نحتاج إلى:
حملات سلوكية وطنية تُرسّخ القيم الإيجابية.
تدريس “ثقافة السياحة” في المدارس والجامعات.
إشراك المجتمع المدني كقوة اقتراح ومراقبة.

4- إشعاع التظاهرات الرياضية وفوضى السير في المغرب: ناقوس خطر قبل فوات الأوان

حالة السير في المدن المغربية، وخصوصًا الكبرى منها، تعرف اختلالات صارخة على مستويات متعددة. فالقانون في واد، وتطبيقه في وادٍ آخر. مشهد الفوضى المرورية بات مألوفًا: تجاوزات خطيرة، عدم احترام إشارات المرور، استعمال الهاتف أثناء القيادة، ناهيك عن القيادة بسرعة مفرطة داخل المجال الحضري.
ويُلاحظ بوجه خاص أن بعض سائقي سيارات الأجرة، سواء الكبيرة أو الصغيرة، يمثلون جزءًا من هذه المعضلة. فئة منهم لا تتوانى عن خرق قواعد السير، والتوقف في أماكن ممنوعة، والقيام بمناورات خطيرة وسط الشارع. يضاف إلى ذلك الوضعية التقنية المتدهورة لعدد كبير من سيارات الأجرة، والتي لا تستجيب لمعايير السلامة المطلوبة، الأمر الذي يشكل خطرًا داهمًا على السائقين والركاب والمارة على حد سواء.
أما الجانب الأخلاقي، فلا يقل سوءًا. فبعض السائقين لا يتحلون بالحد الأدنى من اللياقة أو الاحترام، ما يسيء لصورة المدينة وللبلاد عمومًا، خصوصًا ونحن مقبلون على استقبال آلاف الزوار والمشجعين من مختلف أنحاء العالم.
إن استمرار هذا الوضع دون تدخل حاسم ينذر بعواقب وخيمة، ليس فقط على السلامة الطرقية، بل أيضًا على صورة المغرب الدولية. إذ كيف يمكن التوفيق بين تنظيم تظاهرات رياضية كبرى، تسعى إلى تقديم المغرب كبلد حديث وآمن، وبين واقع مروري يشوبه الفوضى واللامبالاة؟
المطلوب اليوم ليس فقط حملات توعية موسمية، بل مقاربة شاملة تُدمج فيها التربية المرورية في المدارس، وتُشدد فيها المراقبة والزجر، وتُعزز فيها البنية التحتية وتُحدث فيها آليات تجديد الأسطول المهترئ. كما ينبغي مراجعة شروط منح رخص الثقة لسائقي سيارات الأجرة، وربطها بالتكوين والتقييم الدوري.
باختصار، المغرب يقف أمام فرصة تاريخية ليُظهر وجهه الحقيقي كبلد يسير بخطى واثقة نحو التقدم. لكن هذا لن يتحقق إلا إذا ساد القانون في الشارع، وعادت للسياقة هيبتها، وللأخلاق حضورها، قبل فوات الأوان.
خاتمة:
ختامًا، نقول للسيد وزير الداخلية، والسيد مدير المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، ولكل مسؤول غيور على الوطن:
إن الحجر وحده لا يكفي. فالعالم لن يذكُر شكل الملاعب إذا كانت الأخلاق منعدمة، ولن يصفق لحداثة الطرق إذا كانت العقول ما زالت تعيش في فوضى.
لنربح رهان 2026 و2030، علينا أن نبني الإنسان قبل البنيان، ونصلح السلوك قبل الطريق، ونُرشد الضمير قبل الإشارة الحمراء.
فالتظاهرة لا تُنظم فقط، بل تُحتضن بقيم، وتُنجح بسلوك، وتُخلّد بصورة…
فلنُحسن رسم الصورة من الآن.
عبد الرحيم بلار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى