ندوة الداخلة… حين تتحول الصحافة إلى جسر للتكامل والدفاع عن القضايا العادلة

على مدى يومين من النقاشات الرفيعة المستوى، عاشت مدينة الداخلة، حدثا استثنائيا جمع بين المهنية الإعلامية والرهانات الجيوسياسية، ضمن ندوة دولية نظمتها اللجنة المؤقتة لتسيير قطاع الصحافة والنشر، أيام 20 و21 يونيو 2025، تحت عنوان: “التكامل بين صحافة الجودة والتربية على الإعلام”.
وقد حضر هذه التظاهرة ما يزيد عن 35 مشاركًا، ما بين صحافيين، خبراء إعلام، ورؤساء مؤسسات إعلامية من أربع قارات، ضمنهم دول وازنة في الساحة الجيوسياسية مثل إسبانيا والمكسيك وبيرو وكولومبيا، إضافة إلى دول إفريقيا جنوب الصحراء والعالم العربي.
خالد ميري وخالد البلشي… رمزان في قلب النقاش:
من بين الحضور الذين أثاروا اهتمام المهنيين والنخب الثقافية، كان خالد ميري، أمين عام اتحاد الصحافيين العرب، وهو شخصية ذات وزن في الإعلام المصري والعربي، يترأس أيضا تحرير صحيفة “الأخبار” القاهرية. إلى جانبه، حضر خالد البلشي، نقيب الصحافيين المصريين، الذي يمثل تيارا إصلاحيا ونقابيا حيويا، يحظى بثقة الصحافيين المصريين، ويؤمن بدور الصحافة في حماية الحريات والعدالة الاجتماعية.
وجود هذين الرمزين في الداخلة لم يكن مجرد مشاركة بروتوكولية، بل حمل أبعادًا رمزية عميقة، خاصة بعد أن جدد اتحاد الصحافيين العرب دعمه لمغربية الصحراء في اجتماع سابق عقد بدبي، يناير 2025، حيث أعلن رفضه لأي نزعات انفصالية تهدد وحدة الدول العربية، منددا بمحاولات التشويش الإعلامي الذي تتعرض له المملكة المغربية في ملفها الترابي.
شهادات دولية تكشف زيف الدعاية الانفصالية:
عرفت أشغال الندوة مداخلات وشهادات مؤثرة من صحافيين أجانب خاضوا تجارب ميدانية في مناطق النزاع.
▪ الصحافي المكسيكي عمر سيبيدا كاسترو وصف الوضع في الأقاليم الجنوبية بأنه أحد أوضح الأمثلة على التضليل الإعلامي الذي تمارسه أطراف مسلحة بدعم خارجي، معتبرا أن تلك الأطراف “غارقة في إخفاقاتها، وأسيرة لإيديولوجيات عفا عنها الزمن”.
▪ الصحافية الإسبانية باتريسيا مادجيدي، وبعد زيارة ميدانية إلى مخيمات تندوف، قالت إنها خرجت بانطباع يؤكد أن “الرهائن الحقيقيين هم أولئك الصحراويون الذين لا يرضخون لسلطة جبهة البوليساريو”، مشيرة إلى أن زيارتها لاحقا إلى مدينة العيون المغربية كانت كفيلة بهدم صورة “الوضع القاتم” التي تروج لها الدعاية الانفصالية.
▪ الصحافي البيروفي ريكاردو سانشيز سيرا اعتبر أن “المغرب مثال بارز على كيفية توظيف الإعلام لتزييف الحقائق”، مؤكدا أن ما يروج حول الصحراء المغربية لا يخدم سوى مصالح قوى معادية تسعى إلى تقويض الاستقرار في شمال إفريقيا.
▪ بدوره، دعا الصحافي الإسباني خافيير فرنانديس أريباس زملاءه الإسبان إلى “النزول الميداني” عوض الاعتماد على الروايات الرسمية لجبهة البوليساريو، معتبرا أن الإعلام الإسباني يتحمل مسؤولية أخلاقية ومهنية تجاه الحقيقة.
الإعلام… رافعة للوحدة، أم سلاح للانقسام؟:
جاءت الندوة في سياق يعرف فيه العالم العربي موجة من الاستقطابات الإيديولوجية والسياسية، ما يجعل من “الإعلام المسؤول” عنصرا حاسما في الدفاع عن قيم الوحدة الوطنية، واحترام سيادة الدول، كما جاء في مداخلة يوسف بلقاسمي، رئيس اللجنة المؤقتة لتسيير قطاع الصحافة، الذي أكد أن المغرب ينخرط في مشروع إصلاحي كبير، يربط بين التكوين الإعلامي وجودة المضامين، خصوصا في المناطق الحدودية والأقاليم الجنوبية.
كما ناقش المشاركون أهمية تعزيز التربية الإعلامية داخل المؤسسات التعليمية، من خلال إنتاج محتويات رقمية مضادة للتطرف وللدعاية الكاذبة، وذلك عبر شراكات بين المجتمع المدني ومؤسسات الدولة.
في ختام الندوة… رسالة إلى جلالة الملك محمد السادس:
اختتم المشاركون في هذه الندوة الدينامية أشغالهم بصياغة بيان ختامي عبّروا فيه عن امتنانهم لجلالة الملك محمد السادس، لما يبذله من جهود دبلوماسية وتنموية لصالح إشاعة قيم السلم والحوار في إفريقيا والعالم العربي، مؤكدين على ضرورة مواكبة هذه الدينامية عبر إعلام نوعي، رصين، متجذر في المهنية، ومرتبط بمصالح الشعوب.
كما قرروا رفع برقية ولاء وتقدير إلى جلالة الملك، تتضمن تعبيرا عن اعتزازهم بجهود المملكة في جعل الداخلة قِبلة للنقاش الثقافي الدولي، ومختبرا لتصور جديد عن دور الصحافي في الزمن الرقمي المتسارع.
ختاما، فقد شكلت ندوة الداخلة لحظة إشعاع نوعية في مسار الدبلوماسية الثقافية المغربية، إذ أكدت أن الصحافة لم تعد مجرد نقل للأحداث، بل أداة استراتيجية لتثبيت الحقائق ومقاومة الأخبار الزائفة. حضور أصوات إعلامية دولية مؤثرة ودعمها المعلن للقضية الوطنية يعكس اتساع دائرة التأييد الدولي للمقاربة المغربية في ملف الصحراء.
ومع دخول الصحافة عهدا رقميا جديدا، يبقى على الإعلاميين العرب والأفارقة أن يعيدوا بناء الثقة مع مجتمعاتهم، عبر لغة الحقيقة، وجرأة الموقف، وأخلاقيات المهنة.




