نزاع الصحراء بين خطاب المواقع و صدمة الواقع

بقلم أبو أيوب

    بين الفينة و الأخرى تطفو على السطح مستجدات تنذر بما خفي في نزاع الصحراء ، خطاب المواقع من قبيل الخرجة الأخيرة للسيد يوسف العمراني سفير المملكة بجنوب إفريقيا خير مثال ، حيث استفاض في إبراز الجوانب التاريخية و الأوجه الحضارية للمملكة المغربية و مطالبها بتراب الصحراء ، و في نفس الوقت استعرض ما تقوم به الجزائر و جبهة البوليساريو لساكنة المخيمات و مآل المساعدات الدولية، متهما الجانبين بالمتاجرة بمأساة الصحراويين و التلاعب بالمساعدات الإنسانية ، ملفتا انتباه المانحين لخطورة ما يقوم به الخصوم ، و محملا كامل المسؤولية للجارة الشرقية من منطلق ان المخيمات تقع فوق التراب الجزائري بالتالي هي المسؤولة بموجب القانون الدولي على كل ما يقع فوق ترابها .

    أما بخصوص صدمة الواقع على الأرض ، الأخبار الواردة من المنطقة تشير إلى قيام ثلة من الصحراويين بقطع طريق معبر الكركرات في وجه الحركة التجارية و قوافل السلع المغربية في اتجاه موريتانيا ، و ليست هذه هي المرة الأولى ، منددين بالثغرة اللاقانونية التي فتحها المغرب في الجدار الرملي بحسب زعمهم .

    إغلاق الطريق دفع بأفراد المينورسو للتوجه إلى عين المكان لتوثيق الحادث بهدف رفع تقرير بشأنه إلى الأمم المتحدة ، خطوة الخصوم سرعان ما تفاعلت معها الديبلوماسية المغربية ، حيث قام الممثل المغربي الدائم بالمنتظم الدولي السفير عمر هلال بإبلاغ أعضاء مجلس الأمن الدولي و الأمين العام للأمم المتحدة السيد غوتيريش ، منبها في الوقت ذاته أن المغرب لن يبقى مكتوف الأيدي ، مضيفا بأن قطع الطريق يعتبر خرقا لاتفاق وقف إطلاق النار المبرم سنة 1991 .

    بالرجوع أيام قليلة إلى الوراء ، لا بأس أن نسلط الأضواء على بعض المواقف المعلنة سواء من قبيل السيد غوتيريش أمين عام الأمم المتحدة ، أو من طرف دول وازنة و فاعلة في مسرح السياسات الدولية ، و أخص بالذكر كل من روسيا و الولايات المتحدة الأمريكية فضلا عن الإتحاد الأوروبي من خلال تصريحات مفوضه السيد جوزيف بوريل .

    في تقريره الأخير المقدم إلى أعضاء مجلس الأمن الدولي بخصوص نزاع الصحراء ، أفرد السيد غوتيريش خلاصة ليست في صالح الطرح المغربي حيث قال ، بأن مشكل الصحراء هو قضية تصفية استعمار بمنطوق توصيات اللجنة الرابعة للأمم المتحدة المكلفة بتصفية الإستعمار في مخلف بقاع العالم ، و بأن استفتاء تقرير مصير (الشعب الصحراوي) لا زال قائما ، و على الجانبين المعنيين “المغرب/ جبهة البوليساريو” بدء التفاوض بنية سليمة و بدون شروط مسبقة من حيث انتهت جلسات مستديرتي جنيف ، مع الحرص على اشراك الدول المجاورة كأعضاء مراقبين .

    أما بخصوص الموقف الأمريكي من نزاع الصحراء ، فقد أكد مسؤولون بوزارة الخارجية الأمريكية حرصهم على احترام قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالنزاع ، و أن الموقف الأمريكي لن يتغير حتى و لو اعترف المغرب بإسرائيل أو أبرم معها معاهدة سلام و أقام معها علاقات ديبلوماسية، يذكرني هذا الموقف بمواقف نواب أمريكيين و أعضاء بمجلس الشيوخ قاموا بزيارات للمنطقة و لمخيمات لحمادة بتندوف ، البعض منهم رفع شارة النصر بالمخيمات على غرار ما قام به الكوري الجنوبي السيد بان كيمون أمين عام الأمم المتحدة السابق عندما زار مخيمات اللاجئين ، إثرها تعالت أصوات المواقع المغربية منددة شاجبة حيث اختلط الحابل بالنابل ، و انطلقت مسيرات شعبية حملت خلالها لافتات لمغاربة ينددون ببنكيران بدل بان كيمون …

    في إحدى خرجاته الإعلامية بخصوص نزاع الصحراء بداية السنة الحالية ، صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين و أكد على ضرورة الدخول في مفاوضات مباشرة بين المغرب و جبهة البوليساريو وفق قرارات الشرعية الدولية ، مع احترام حق تقرير مصير (الشعب الصحراوي) و وجوب إجراء استفتاء تحت إشراف الأمم المتحدة لإنهاء النزاع حول الصحراء .

    المفوض الأوروبي السيد جوزيف بوريل ، صرح في جلسة لأعضاء الإتحاد الأوروبي بشأن المساعدات المقدمة لساكنة المخيمات، (بأن برنامج المساعدة الإنسانية للاجئين الصحراويين تتم وفق الاجندات المسطرة لها ، و أنه لم يتم تسجيل أية خروقات أو تلاعب أو متاجرة بها ) ، بخلاف ما تسوقه بعض المواقع الإعلامية المغربية و تروج له بعض الأقلام ، التي دأبت على إلصاق تهمة الإرهاب و الإتجار في المخدرات و المساعدات الإنسانية بالخصم .

    كما تجدر الإشارة إلى تقلب المواقف الفرنسية بشأن النزاع حول الصحراء ، فقد لوحظ في الآونة الأخيرة بروز بوادر خلافات و تشنجات على صعيد العلاقات السياسية/ الديبلوماسية/ الإقتصادية مع الحليف المغربي، أبرزها وقف التنسيق الديبلوماسي الفرنسي مع الجانب المغربي “وزيري خارجية البلدين” ، أثناء انعقاد جلسات مجلس الأمن الدولي حول الصحراء نهاية أكتوبر الماضي”2019″، حيث دأبت العادة على عقد لقاءات ثنائية تزامنا مع انطلاق جلسات المجلس ، فضلا عن تسجيل فتور فرنسي بخصوص مقترح المغرب بمنح حكم ذاتي لساكنة الأقاليم الصحراوية، ناهيك عن السماح بغزوة البوليساريو للبرلمان الفرنسي و القيام بمسيرات مناهضة للمصالح و الطرح المغربيين .

    بالعودة إلى خطاب المواقع و صدمة الواقع ، فقد لفت انتباهي مقال نشر على موقع الجديدة نيوز لصاحبه الفاعل الحقوقي و الجمعوي الأمازيغي ، تحت عنوان بداية نهاية أسطورة البوليساريو ، حيث تطرق كاتبه لنزاع الصحراء بنبرة عاطفية و من حيث يمليه عليه حسه الوطني و حب الإنتماء ، و هو مشكور جزيل الشكر على ما قام به من سعي و مجهودات ، لكن المشكل قبل أي شيء آخر هو مشكل سياسي و قانوني متداول بالأمم المتحدة منذ بداية ستينيات القرن الماضي ، و كما أن الطبيعة تخشى الفراغ فالسياسة و القانون لا يقيمان وزنا للعاطفة و لا يعتدان بها “المغرب أول بلد اعترف باستقلال أمريكا و الضرورة تحتم عليها نصرة الحق المغربي و الوقوف إلى جانبه و ليس معاكسة حقوقه التاريخية ، و هذه الأخيرة أول بلد سعى إلى توسيع صلاحيات بعثة المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان بالصحراء مثال ، صارخ لا مكان فيه للعاطفة و لعب على الحبال ” .

    كلام كاتب المقال لا ينم عن دراية بتشعبات القضية بالتالي يبقى مقالا إنشائيا يفتقر للموضوعية و التحليل العقلاني . كما علينا أن نستذكر خطاب العاهل الراحل الحسن الثاني بمناسبة انطلاق المسيرة الخضراء ، خطاب نصح فيه المواطن المغربي بأن يدير خذه الأيسر إذا ما صفعه الإسباني على خذه الأيمن ، ثم استطرد طيب الله ثراه بأن لا خوف على المشاركين في المسيرة إذا ما اعترضهم أناس آخرون ، و هي إشارة قوية إلى فلول جبهة البوليساريو ، ثم بشر المغاربة بأن لهم جيش قوي يحميهم من هجومات الأعداء ، و كان أن تنبأ رحمة الله عليه أثناء احتدام المعارك العسكرية مع جبهة البوليساريو ، حيث قال بأنها عبارة عن جولة أمنية لن تتعدى أسبوعا أو أسبوعين على أبعد تقدير ….

    لكن تمطط المشكل و تمدد النزاع إلى أن بلغ ذروته باستسلام موريتانيا بعدما استنزفتها الحرب بالصحراء ، فعقدت اتفاقية سلام و عدم اعتداء مع البوليساريو سنة 1979 لتعلن عن انسحابها : من إقليم وادي الذهب و حاضرته الداخلة ، و من اتفاقية مدريد الثلاثية التي بموجبها سلمت إسبانيا إدارة الصحراء تقريبا مناصفة للمغرب و موريتانيا . على إثر اتفاقية الجزائر نهاية الثمانينيات ، اعترفت موريتانيا بجبهة البوليساريو كحركة تحرير و ممثل وحيد لشعب الإقليم ، و لم تقم بالإعتراف بها كدولة إلا في سنة 1984 ، تاريخ انسحاب المغرب من منظمة الوحدة الإفريقية على إثر اعتراف المنظمة الرسمي بالخصم (كدولة ذات سيادة تحت الإحتلال ) .

    لتستمر من بعد الحرب مع المغرب لمدة 16 سنة متواصلة حتى حدود ينة 1991 تاريخ إبرام اتفاقية وقف إطلاق النار ، لم يتق المغرب ويلاتها و شرورها إلا بعدما تفتقت عبقرية العاهل الراحل الحسن الثاني الذي أمر ببناء جدران رملية حول المدن الصحراوية في بادئ الأمر ، و من ثمة أمر رحمة الله عليه بتوسيعها خارج محيط المدن و ربطها ببعض لتأمين أكبر مساحة ممكنة من تراب الصحراء ، و كان هذا بداية سنة 1980\1981 و استمر التكتيك على هذا المنوال حتى سنة 1987 ، تاريخ الإنتهاء من بناء آخر جدار دفاعي مغربي تم بموجبه تأمين أكثر من ثلثي مساحة الصحراء ، في حين بقي الثلث الباقي تحت سيطرة الخصم ، بينما بقي العلم الموريتاني يرفرف فوق مدينة الكويرة إلى يومنا هذا .

    مع حلول سنة 1991 تم الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار بين المغرب و جبهة البوليساريو تحت إشراف الأمم المتحدة ، التي أوصت بنشر القبعات الزرق تحت مسمى بعثة المينورسو ، للإشراف على استفتاء تقرير المصير و احترام اتفاق وقف إطلاق النار … إتفاق تم بموجبه إطلاق المغرب سراح السجناء و المعتقلين الصحراويين ، من معتقلات قلعة مكونة و اكدز و سجن العيون و معتقل ثكنة التدخل السريع بالمدينة …، معتقلات ظل المغرب الرسمي ينفي وجودها إلا في مخيلة أصحابها ، و قد تأتى إطلاق السراح بفعل تأثير الهجمة الشرسة على المغرب ، التي قادتها آنذاك منظمة العفو الدولية سنة 1990 بعد سنة من تأسيس المنظمة الصحراوية للدفاع عن حقوق الإنسان سنة 1989. أولى الدفعات أطلق سراحها أواسط سنة 1991 و كان عددهم يقدر بأكثر من 300 معتقل و معتقلة 100/28 منهم إناث .

    إتفاقية وقف إطلاق النار المبرمة سنة 1991 لم تضع حدا لمعاناة المغاربة ، بحيث بقي آلاف أسرى الحرب المغاربة لدى البوليساريو ، و رغم تدخل منظمة الصليب الأحمر الدولي و عدة شخصيات سياسية بارزة من أجل عودة الأسرى إلى وطنهم المغرب ، إلا أن كل المحاولات باءت بالفشل واصطدمت بالرفض المغربي ، رفض من منطلق عناد بعض كبار الضباط السامين من جهة ، و عدم رغبة المغرب الرسمي بالظهور و كأنه في موقف ضعف أو خشية أن يستغل إطلاق سراح الأسرى سياسيا و إعلاميا من جهة ثانية . و في الأخير اذعن المغرب للضغوط و استسلم للأمر الواقع ، فاستلم وسط تكتم كبير أسرى حرب الصحراء على دفعات آخرها كانت سنة 2005 ، ليطوى نهائيا ملف الأسرى المغاربة في حرب الصحراء .

    نعم طوي الملف الإنساني لأسرى الحرب ، لكن الملف القانوني و الحقوقي لا زال مفتوحا ، بل تشعب أكثر فأكثر و لا يبشر إطلاقا بمستقبل وردي . في هذا الوقت العصيب ، يزداد الخصم تعنثا و قوة بعدما راكم انتصارات حقوقية و قضائية ، سواء من خلال مواكبة مجلس حقوق الإنسان الأممي للوضع في الصحراء ، أو من خلال حكمي محكمة العدل الأوروبية التي قضت باعتبار المغرب و الصحراء كيانين منفصلين . و اليوم هو يتقوى بشكوى أخرى إلى نفس المحكمة للنظر في قانونية الإتفاق المبرم بين المغرب و الإتحاد الأوروبي سنة 2018 ، و قد تأتى له ما أراد بعدما قبلت المحكمة بالنظر مجددا في الملف .

    أما على الصعيد السياسي و بالأخص داخل الأسرة الإفريقية ، فلا زال الخصم يحظى بتأييد و دعم و مساندة الدول الإفريقية الأكثر وزنا ، و أعني بها كل من جمهورية إثيوبيا و نيجيريا و جنوب إفريقيا و مصر و الجزائر ، فضلا عن الإتحاد الإفريقي بمختلف مؤسساته الرئيسية ، و هي بالمناسبة الدول التي دعيت للتناظر عن بعد بمشاركة الدول الرائدة إقتصاديا ضمن مجموعة 25 التي دعت لها الصين أواسط العام الجاري .

    من بين الإخفاقات التي سجلت على المغرب ، إخفاقه الذريع في ربط جبهة البوليساريو بقضايا الإرهاب و الإتجار في المخدرات و بيع المساعدات الإنسانية رغم المحاولات العديدة و المتكررة ، فلا الإتحاد الإفريقي و لا الأمم المتحدة و لا الإتحاد الأوروبي استساغوا الإتهامات المغربية للخصم باستغلال معاناة اللاجئين أو تورطه في قضايا الإرهاب بدول الساحل و الصحراء .

    بالمناسبة لست بصدد الدفاع عن كيان أو عن أحد ، بل هدفي سرد الحقائق و المعطيات كما هي ، تاركا للمتتبع حرية التفكير و الإستنباط ، سرد وقائع من صلب الواقع و ليس ما تروجه بعض المواقع ، لأظهر و أبرهن عن القواسم المشتركة ما بين سياسة البهرجة و ما يقابلها من سياسة لفراجة و الله المستعان ، إنطلاقا من كوني ترعرعت في هذا الوطن و خدمته بضريبة الدم ، يزعجني ما يقرحه و يغبطني ما يفرحه و الله شاهد على ما أقول .

About هيئة التحرير

Leave a Reply

Your email address will not be published.

x

Check Also

عاجل : محاولة إغتيال مدير موقع “الأخبار المغربية” ومدير نشر الجديدة نيوز على طريقة المافيات

    تعرض قبل قليل مدير موقع “الأخبار المغربية” لعملية دهس بسيارة المدعو البوحتوري في ...