الواجهة

نقطة توضيحية علاقة بهذا الهجوم التخويني الكاسح لسردية تدعي لنفسها احتكار الوطنية

لطيفة البوحسيني تكتب:

بلغ الهجوم على التيار المساند الدائم لغزة ولإيران منذ العدوان الصهيوأمريكي، حدودا غير مفهومة ودرجات لا تطاق.

إنه هجوم مثير للاستغراب حينما نتذكر أن دعم المغاربة لفلسطين ليس وليد اللحظة، بل هو منغرس تاريخيا في وجدانهم منذ النكبة (1948)، بل هناك بعض الشهادات التي ترُجعه إلى ما قبل هذه المرحلة.

فالتحرش والاستفزاز ومحاولة زرع فكرة الكيان الصهيوني بدأت قبل هذا التاريخ، وكانت خلف ثورة الفلسطينيين سنة 1936-1939 المعروفة بالثورة الكبرى التي انتفضت ضد السياسة الانتدابية البريطانية ومعها سياسة تهجير اليهود وإعلان إنشاء بيت وطني لهم.

إنه سند ودعم تاريخي، واضحة عوامله وأسبابه…وهو السند الذي لم يخفت أبدا، وتوارثته الأجيال ولعبت التيارات السياسية، من جيل إلى جيل ومن مختلف العائلات الفكرية، دورا مهما في تأطيره السياسي…لدرجة صار معلوما، أن القضية الفلسطينية هي البيت الذي يحتضن الجميع حتى وإن تعارضوا وتناقضوا حول مختلف القضايا الأخرى.

لم يكن أحد يناقش حق المغاربة في مساندة هذه القضية ولم يوجد قط من يجرؤ حتى على طرح السؤال عن أحقيتهم…والسبب في ذلك هو الحدس الصافي الصادق ووضوح الرؤية بخصوص عدالة قضية شعب سُلبت منه أرضه، هذا علاوة على مشاعر القرب الديني واللغوي والثقافي والحضاري مع أرض تحتضن المسجد الأقصى بكل دلالاته الدينية ومعانيه التاريخية.

من هنا يبدو جد غريب كيف “تخفف” ضمير البعض من حمل قضية عظيمة في الوقت الذي انتقلت لتسكن وجدان الأحرار في العالم، من بين من لا يجمعهم مع الشعب الفلسطيني إلا بعد واحد، هو البعد الأخلاقي…ولعمري، يكفي أن يتمتع الإنسان ببوصلة الأخلاق.

ما الذي يا ترى يفسر هذا التصرف الغريب علينا كمغاربة؟

أكيد أن هناك عوامل متعددة، لكن من البديهي أن قرار التطبيع مع الكيان الصهيوني يحمل جزءا من الجواب على السؤال السابق.

هذا القرار لم يسقط من السماء على حين غرة، بل كان مسبوقا ببناء سردية يكمن هدفها المركزي في السعي “للتصالح” مع الصهاينة، غير أن هذا التصالح يطرح على حساب الشعب الفلسطيني …

بمعنى، لا تكتفي السردية بالإقناع باعتبار الكيان الصهيوني كيانا طبيعيا، بل تدس السم عبر التشكيك في حق الشعب الفلسطيني على أرضه، وهو ما يجد تعبيره فيما يمرر كأنه ترتيب للأولويات والذي تلخصه عبارة “تازة قبل غزة”…كما يتم التعبير عنه في إنتاج نوع من السخرية على كل من يحمل سندا وحبا لفلسطين، ومع هذا الحب بعض الأشكال الرمزية مثل “الكوفية الفلسطينية”…حيث يطلق، بغير قليل من التهكم، على من يرتدوا الكوفية ب”الكوفيين”…وهي الكوفية التي غزت العالم بأسره وارتداها كبار الفنانين والرياضيين والعلماء…الخ.

من الواضح أن “ماكينة” التطبيع لم تترك مجالا لم تستثمر فيه ولم تقتحمه، بحيث يتأكد أن الأمر يتعلق بمشروع متكامل تُشتم منه رائحة وضع البلاد تحت نوع من الوصاية، لا محالة سيجتهدون فيما بعد لإيجاد صيغة قانونية لها ومعها التسمية التي تليق بها…وفي هذا، لن يعدموا إبداعا كما أبدعت أجيال الاستعمار في السابق…ألم يُطلق على استعمار فرنسا للمغرب تسمية “الحماية”؟

تعتمد هذه الماكينة على أذرعها من بعض الصحفيين ومن دعاة الحداثة المفترى عليها الذين تختلط لديهم المواطنة بالعنصرية العرقية، ومن تجار الدين من السلف غير الصالح الذين اعتبروا (ظلما) من المتورطين في الإرهاب…كما تعتمد على بعض الجامعيين من ضحايا الهدر الجامعي وانحدار مستوياتهم وانخفاض منسوب المعرفة لديهم وانتشار الضحالة في صفوفهم بشكل مثير للغثيان.

هذه الماكينة، لا يمكنها أن تنتج سردية مقنعة، بالضبط لأنها لا تدافع عن قضية عادلة…مقابل ذلك، المدافع عن القضية الفلسطينية لا يحتاج لتعبئة خاصة لأن عدالة القضية لوحدها كافية كي يتعبئ حولها كل من حافظ على البعد الأخلاقي الطبيعي والفطري في ذاته…مرد ذلك هو رفض الظلم الذي يعتبر شرطا لتعيش الإنسانية في سلام…فالظلم مؤذن بخراب العمران…وهو ما يرفضه كل من يتطلع للعيش في أمن وسلام.

بما أن هذه السردية لا يمكنها أن تنتج عناصر مقنعة قائمة على قوة قيمة العدالة، فهي تبحث لنفسها عن عناصر تمكنها من اقتحام جزء من الميدان، حتى وإن كان تضليلا وكذبا وتزييفا للحقائق.

خلف هذه الماكينة، يوجد كهنة المعبد الصهيوني من بين الذين ينظرون ويفكرون ويخططون ويهندسون…

هذه “الكُبانية” تتكون من “جهابذة” وخبراء، خلفهم حنكة وتجربة كبيرة في التضليل وتزييف الوعي والكذب الذي سعى لتمرير سردية سرقة الأرض على أنها أرض الميعاد وإضفاء الشرعية الدينية عليها ليتحول الصراع بقدرة قادر من صراع سياسي دنيوي إلى صراع ديني كهنوتي…يتعلق الأمر بالصهاينة الذين يحركون الدمى من “الكابنيت” مع الاعتماد على صهاينة الداخل، من السماسرة والتجار.

مهمة صهاينة الداخل، هي تسهيل مأمورية صهاينة الكيان، حملة مشروع إسرائيل الكبرى الذي يخططون له على حساب سيادة بلداننا وحفاظها على كيانها بأبعاده الحضارية والثقافية…أما صهاينة الداخل فلا يهمهم لا وطن ولا حق ولا أرض ولا إرث ولا دين ولا أخلاق ولا ضحايا بالآلاف…ما يهمهم هو الربح السريع ومراكمة الثروات.

أقول وأعيد…لا يهمهم الوطن، ولذلك يكثرون من الترويج لفكرة الدفاع عن الوطن ويتهمون الرافض للتطبيع كمقدمة لمشروع إسرائيل الكبرى بخيانة الوطن….وهم يعرفون جيدا أنهم يؤدون خدمات تدخل في حقل العمالة ضد الوطن.

في الوقت الذي يعملون فيه على قدم وساق لتسهيل مأمورية الكيان على أرضنا، يبنون سردية قائمة على دغدغة المشاعر الوطنية واللعب على الوتر الحساس للوطنية، من خلال وضع القضية الفلسطينية مقابل القضية الوطنية (قضية استرجاع الصحراء) وفي تضاد معها.

من الواضح أن هذه السردية لم تنجح كما كانوا يخططون ولم تصمد أمام فطرة العدالة لدى قطاعات واسعة من المغاربة وأمام وعي سياسي لدى أطياف كبيرة وأمام وضوح الرؤية لدى الأحزاب والتيارات السياسية الوطنية (لا أحزاب الأعيان من لقطاء الأوليغرشية الريعية الفاسدة).

ما هو مؤكد أن سعار هذه الشرذمة من المتصهينين ومن خلفهم المخططين الكبار تزايد مع التعبير من طرف المغاربة عن مساندة إيران ضد العدوان على أراضيها وقتل قادتها…وهي المساندة التي لا شك يحضر فيها الدعم الذي قدمته إيران للمقاومة الفلسطينية.

لابد كذلك من التذكير بأن اعتماد سردية صهاينة الداخل في الهجوم على مساندي إيران على الصراع المذهبي (شيعة وسنة) لم يؤت أكله…خصوصا وأن دول الخليج من أهل السنة خلفهم تاريخ من العمالة للصهيونية بل وتحولت الإمارات إلى اليد اليمنى للكيان في تمويل والترويج لمشروع إسرائيل الكبرى.

أصبح من المستحيل إقناع الناس، بما فيهم بسطاء الوعي بهذه السردية، لأن كل شيء واضح وضوح الشمس في كبد السماء. لا يخطئ الناس في الفرز بين المدافع عن أرضه وبين الصهيوني والمتصهين حتى وإن نزل عليه الوحي مجددا.

في النهاية، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، قرار التطبيع ومعه الترويج لسردية مهزوزة ساهم في المزيد من التحام المغاربة حول مبدأ العدالة وزاد من وعيهم بأهمية ترابط القضايا مع بعضها البعض، المحلي الوطني مع الإقليمي والدولي…وهو ما ينبغي استثماره كي نقف وقفة إنسان واحد لإنقاذ بلدنا من مخالب الصهينة والصهيونية، الداخلية والخارجية.

فلا وطنية إلا تلك التي تقف سدا منيعا ضد مشروع إسرائيل الكبرى والترويج له محليا لإخضاع الوطن واستغلال الأرض واستعباد المواطنين.
الوطن وطننا ولن نتركه للصهاينة ولا لمن يعيث فيه فسادا وخرابا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى