هجوم معاكس للمعارضة السورية يعكس تصاعد الأزمة بين تركيا وروسيا في إدلب

بقلم:أحمد سلوم
موقع:  إيران واير.
انتقلت فصائل المعارضة السورية في شمال البلاد خلال اليومين الماضيين من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم مسنودة بدعم عسكري تركي معلن، وذلك بعد هجوم لقوات النظام السوري المدعوم روسياً وإيرانياً، ما ينذر بخلاف روسي تركي على إدلب.
هذا الهجوم المعاكس دعمته تركيا من خلال الدفع بالآليات العسكرية الهجومية، والإسناد المدفعي والصاروخي، وكانت أولى ثمراته إسقاط طائرة مروحية تابعة للنظام السوري.
وذكرت وكالة الأناضول التركية الجمعة أن تركيا أرسلت قوات خاصة مع حوالي 150 مدرعة محملة بالذخيرة لتعزيز مراكز المراقبة في إدلب.
وتدور المعارك الآن في إدلب عند مناطق “النيرب وآفس وسراقب وتفتناز” بين فصائل المعارضة المتمثلة بـ ” هيئة تحرير الشام، الجبهة الوطنية للتحرير، الحزب التركستاني”من جهة، وقوات النظام المدعومة بالطيران الروسي من جهة ثانية.
هذا الهجوم أوقع 60 قتيلا بينهم ضباط برتب عالية منهم العميد الركن “أسامة محمود إبراهيم” من مرتبات الحرس الجمهوري، بحسب وسائل إعلامية موالية للنظام السوري.
وبحسب وزارة الدفاع التركية، فإن حصيلة العمليات التركية أسفرت عن قصف 115 هدفًا للنظام السوري حتى الآن، ما أسفر عن تحييد 101 من عناصره، عازية تلك العملية إلى الرد التركي على استهداف قافلة تعزيزات تركية كانت متجهة إلى إدلب، ومقتل 5 من جنودها.
هذا الهجوم، أجبر قوات النظام السوري على تغيير مسار معاركه بحسب ما يقول الناشط الإعلامي فايز الدغيم لـ “إيران واير”، موضحًا أنه في الوقت الحاضر يركز النظام أهدافه على الالتفاف إلى ريف حلب الغربي بعد تعذر تقدم قواته من المحاور الغربية لمدينة حلب كمحور الصحفيين، ومحور أكثار البذار، لذلك عاد النظام وميليشياته لاتباع نفس الخطة التي اتبعها سابقا في شرق السكة وريف حماة الشمالي، ومؤخرا في ريفي سراقب وحلب الجنوبيين عبر الالتفاف والتطويق وقضم المناطق.
وتحاول قوات النظام الآن التقدم من محور كفر حلب بريف حلب الغربي، باتجاه الفوج 46 قرب مدينة الأتارب، ثم الاتجاه شمالاً للوصول إلى منطقة قبتان الجبل أو دارة عزة، وإفراغ مناطق ريفي حلب الشمالي كـ “عندان وحيان وحريتان” وريف حلب الغربي كـ “كفرناها وأورم وعينجارة” والمنصورة التي تعتبر أبرز معاقل المعارضة غرب حلب، ولطالما تعذر على قوات النظام التقدم فيها سابقا.
إدلب من منطقة خفض التصعيد إلى معارك شرسة
يأتي هذا الهجوم المعاكس لفصائل المعارضة المدعومة تركيا بعد استهداف قوات النظام السوري لجنود أتراك في إدلب.
وتقدمت قوات النظام السوري المدعومة روسيًّا وإيرانيًّا في ريفي محافظة إدلب وحلب بشكل كبير خلال الأيام القليلة الماضية، بالرغم من أن تركيا وروسيا وإيران توصلت إلى اتفاق منطقة خفض التصعيد في إدلب في مايو/أيار 2017م، في إطار اجتماعات أستانا المتعلقة بالشأن السوري، بحسب ما جاء في قناة روسيا اليوم.
 ومنذ ديسمبر/كانون الأول الماضي سنة 2019م، صعّدت قوات النظام بدعم روسي وإيراني حملتها على مناطق في إدلب وجوارها غربي حلب، والتي تؤوي ثلاثة ملايين شخص، وتسيطر عليها هيئة تحرير الشام (النصرة سابقاً) وحلفاؤها، وتنتشر فيها فصائل معارضة أقل نفوذا.
خسارة المعارضة لمناطق استراتيجية أهمها سراقب ومعرة النعمان
سيطرت قوات النظام منذ بدء الهجوم، على العديد من المدن والبلدات في ريفي إدلب وحلب، أبرزها خان شيخون ومعرة النعمان، صوران، كفر زيتا، كرناز، حلفايا، كفر نبودة، الحاضر، تل الطوقان، العيس، الراشدين الخامسة، ريف المهندسين، شاميكو، إيكاردا، الصحفيين وغيرها الكثير وآخرها مدينة سراقب التي تعد عقدة وصل كل من الطرقات M 5 ,M 4.
إذ شكل سقوط مدينة معرة النعمان كبرى مدن ريف إدلب الجنوبي شمالي سوريا، بـ 24 كانون الثاني الماضي في يد النظام السوري وروسيا وإيران نكسة جديدة للمعارضة السورية على الصعيدين العسكري والسياسي.
ووفقا لما أفاده الصحفي أحمد إسماعيل ابن مدينة معرة النعمان لـ “إيران واير” فإن سقوط معرة النعمان جاء بعد حصار طويل، وقصف استمر لأيام عديدة، وذلك لأهمية معرة النعمان، كونها نقطة مرور طريق (M5) الدولي الذي يربط حلب وإدلب بمحافظات حماة وحمص ودمشق من منتصفها.
حيث اقتحمت قوات النظام بغطاء جوي روسي المدينة من ثلاثة محاور، هي الجنوبية والغربية والشرقية بعد أربعة أيام من بدء العملية العسكرية.
ويقول الناشط الإعلامي فايز الدغيم من محافظة إدلب: “إن أبرز الفصائل التي واجهت قوات النظام في ريف معرة النعمان الشرقي كانت “صقور الشام وهيئة تحرير الشام” أما في مدينة معرة النعمان نفسها، فإنه لم يحصل أي مواجهة، إذ استطاع النظام تطويق المدينة وواجهته مجموعات صغيرة فقط من أبناء المنطقة” وهو ما أكدته مصادر محلية عدة تحدثت إليها “إيران واير” عبر الهاتف.
وسيطر جيش النظام السوري يوم السبت الموافق 7 شباط على كامل مدينة سراقب، التي تشكل نقطة التقاء بين طريقين دوليين يربطان مناطق عدة، في محافظة إدلب في شمال غرب البلاد، وفقا لما أعلنه التلفزيون السوري الرسمي.
وبحسب ما أفاد شهود عيان من سكان مدينة سراقب لـ “إيران واير” فإن السكان هم فقط الذين دافعوا عن المدينة إلى حين سقوطها دون أي تدخل من الفصائل المعارضة المسلحة.
وتقول الصحفية سيلا الوافي لـ “إيران واير”: “هذا التطور جاء بعد أسابيع من قصف جوي مكثف وهجوم بري نفذته القوات الجوية السورية بدعم روسي، أدى إلى فرار مئات الآلاف من المدنيين من منازلهم.”
وتحظى مدينة سراقب في ريف إدلب الجنوبي الشرقي التي سقطت بيدي النظام بأهمية إستراتيجية، لأنها تشكل نقطة التقاء بين طريق”إم 5″، والطريق الدولي المعروف بـ”إم 4″ والذي يربط محافظة حلب بإدلب ثم اللاذقية غرباً.
ويقول فايز الدغيم لـ “إيران واير”: “إن سقوط سراقب كان نتيجة خسارة فصائل المعارضة لخطوطها الدفاعية بريف معرة النعمان الشرقي الأمر الذي أدى لسقوط المدينة، والذي أدى لتوغل قوات النظام المدعومة بغطاء جوي ومدفعي روسي في عمق محافظة إدلب على الطريق الدولي m5 في مناطق غير محصنة، ونتيجة الزخم الكبير للعمليات العسكرية  لم تستطع فصائل المعارضة بناء تحصينات جديدة، كما أنها لم تتلق دعمًا تركيًّا حقيقيًّا أثناء صد تقدم قوات النظام.”
وبالنسبة لفصائل الجيش الوطني المدعوم من تركيا، والذي أعلن عن إرساله عدة مؤازرات لجبهات ريف إدلب يقول الدغيم: “إن تلك المؤازرات لم تحدث أي فرق في المعارك الدائرة لأنها كانت ترسل مقاتلين بسلاح خفيف وجبهات إدلب لا تحتاج للعنصر البشري بقدر حاجتها للسلاح النوعي الذي لم تأت به فصائل الجيش الوطني، وحتى المشاة التابعون للجيش الوطني لم يُلحظ لهم أي وجود خلال معارك ضد قوات النظام على جبهات ريف إدلب.”
ويلفت الدغيم النظر إلى أن أكثر فصيل معارض مسلح قاتل على جبهات إدلب هم “أنصار التوحيد” الذي كان عدد أفراده بضع مئات، ولم يبق منهم سوى العشرات بعد مقتل العديد منهم وإصابة آخرين.
هل شاركت إيران؟
ويضيف الدغيم أن المليشيات التابعة لايران لم تشارك في معارك معرة النعمان وسراقب وعموم ريفي ادلب الجنوبي والشرقي، فهذا المحور كان للقوات الموالية لروسيا، والتي كان أبرزها ورأس حربتها الفرقة 25، والتي كانت مسماة سابقا ميليشيا النمر نسبة إلى العقيد السوري سهيل الحسن، وأعيدت هيكلتها فيما بعد وتنظيمها بعدة أفواج تحت مسمى الفرقة “25 مهام خاصة”، وكانت تحظى بدعم عسكري وتقني وإعلامي روسي ملحوظ، ولوحظت قدرتها على خوض العمليات القتالية الليلية على عكس المليشيات الايرانية الموجودة بريف حلب الجنوبي، والتي كانت عمليات تقدمها نهارا حصرا.
في المقابل، أكد زكريا يعقوب أحد العاملين في الرصد والإعلام بإدلب لموقع “إيران واير” أنه تم سحب الميليشيات الإيرانية والأفغانية واللبنانية التابعة لإيران من جبهة الساحل السوري وجبهات حلب إلى جبهة ريف إدلب  الجنوبي، “كلواء القدس”، ومليشيا “القاطرجي”، و مليشيا “فاطميون”، وكتائب من الفرقة الرابعة، والفيلق الخامس، وذلك من أجل مساندة قوات النظام في دخول مدينة معرة النعمان.
وهو ما أكدته مصادر دبلوماسية غربية لـ صحيفة الشرق الأوسط قائلة “إن ميليشيات تابعة لإيران تشارك مع قوات النظام السوري في معارك السيطرة على إدلب في شمال غربي البلاد.”
تهديدات سياسية ووعود منفية
هذا الهجوم التركي يعكس جدية أنقرة بتصدي لهجوم النظام السوري على مدينة إدلب تحديدا.
وقد وجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إنذارًا نهائيًّا إلى النظام السوري، يمهله فيه حتى نهاية الشهر الجاري من أجل التراجع وراء نقاط المراقبة التركية في إدلب (شمال غرب) التي حاصرتها قوات الأسد خلال الحملة العسكرية الأخيرة التي تقوم بها مع حلفائه، وفقا لما ذكرته وكالة الأناضول التركية.
واتهم أردوغان موسكو التي تدعم النظام السوري بعدم وفائها بالاتفاقات في سوريا، وكذلك غض الطرف عن تصعيد الحكومة السورية والقوات المتحالفة معها في إدلب.
وتابع قائلا: “النظام السوري ومن يدعمه من الروس والميليشيات الإيرانية يستهدفون المدنيين باستمرار في إدلب، ويرتكبون مجازر و يريقون الدماء، والذين يدّعون الدفاع عن حقوق الإنسان يتجاهلون هذه المجازر”.
كما أكد أن الاعتداء على الجنود الأتراك انتهاك لاتفاقية إدلب، وستنعكس نتائجه على النظام السوري، معتبرا أن العمليات التركية أعطت درسا كبيرًا لنظام الأسد.
من جانبه، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن تركيا لم تنفذ بعض التزاماتها الأساسية تجاه إدلب في إشارة إلى عدم  فصل تركيا المعارضة المسلحة المستعدة للحوار عن ما وصفهم “بالإرهابيين”، داعيا أنقرة “للالتزام الصارم” بالاتفاقات التي توصل إليها رئيسا البلدين في سوتشي.
وأشار لافروف إلى أن النقطة الأخرى هي عدم إنشاء منطقة خالية من السلاح في إدلب، بعمق بين عشرة كيلومترات وعشرين كيلومترا حتى الآن.
وأضاف: “إن تقدم الجيش التركي إلى مواقع معينة داخل منطقة خفض التصعيد في إدلب جاء دون سابق إنذار، لذلك لم نتمكن من إبلاغ الجيش السوري بذلك، وحصلت ضربات (ومقابلها) تهديدات من الجانب التركي باتخاذ تدابير انتقامية، كل هذا محزن للغاية.”
مصدر سوري معارض مقرب من الحكومة التركية عزا لـ”إيران واير” الهجوم التركي بأنه لوقف تقدم النظام السوري على إدلب تحديدا، موضحًا أن تركيا التي اتفقت مع الروس على تحييد مدينة إدلب عن أي هجوم، لا تتحمل مزيدا من زحف اللاجئين نحو أراضيها.
وأضاف: “إن هجوم الجيش السوري الأخير المدعوم روسيًّا، كشف للأتراك نية السيطرة على إدلب، وهو ما لن تتقبله تركيا.”
الولايات المتحدة من جانبها، أيدت الخطوة التركية، وشددت على الوقوف إلى جانب تركيا التي يبدو أنها تستعد للسيناريو الأسوأ في مواجهة مع الروس في حال لم يتوقف الهجوم على إدلب.
هل انهارت اتفاقيات “أستانا وسوتشي”
 اتفقت روسيا وتركيا وإيران في ختام الجولة الرابعة عشرة من مباحثات أستانا حول الأزمة السورية في شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي على تنفيذ التفاهمات فيما بينها حول الوضع في محافظة إدلب (شمال غربي سوريا)، وإرساء الاستقرار في شمال شرقي البلاد، ورفض التطلعات الانفصالية، ومحاربة من وصفتهم بالمتشددين.
في 17 سبتمبر/أيلول 2018 قال الرئيس الروسي بوتين بعد انتهاء اجتماعه بأردوغان في منتجع سوتشي الروسي:” قررنا إقامة منطقة منزوعة السلاح بعرض يتراوح ما بين 15 إلى 20 كيلومترا على طول خط التماس، ابتداء من 15 أكتوبر/تشرين الأول المقبل”
وبحسب ما صرح به بوتين سابقا، فإن تركيا ستقوم بإخراج جميع الفصائل المعارضة، ونزع الأسلحة الثقيلة من دبابات وصواريخ ومدافع هاون التي بحوزة تلك الجماعات، و ستقوم وحدات من الشرطة الروسية والتركية بمراقبة المنطقة منزوعة السلاح، وهو ما اقترحه أردوغان، وستنسحب جميع الفصائل المسلحة من تلك المنطقة بما فيها هيئة تحرير الشام ( جبهة النصرة سابقا).
وأضاف بوتين أنهم سيعملون على فتح حركة المرور بين حلب واللاذقية، وبين حلب وحماه قبل نهاية هذا العام، وهو ما اقترحه أردوغان.
ويذكر أن هذين الطريقين (حلب واللاذقية) و(حماه وحلب) يمران في المنطقة التي ستبقى تحت سيطرة المعارضة بعد تطبيق الاتفاق و يعتبران شريان الحياة الاقتصادية في سوريا.

About هيئة التحرير

Leave a Reply

Your email address will not be published.

x

Check Also

طانطان.. توقيف ثلاثة أشخاص للاشتباه في ارتباطهم بشبكة إجرامية تنشط في تنظيم الهجرة غير المشروعة والاتجار بالبشر

طانطان.. توقيف ثلاثة أشخاص للاشتباه في ارتباطهم بشبكة إجرامية تنشط في تنظيم الهجرة غير المشروعة ...