هذه بعض العبر من بلد المليون شاعر

بقلم أبو أيوب

    مقال اليوم نستعرض من خلاله قصة حقيقية من صلب الواقع، جرت أطوارها بالجمهورية الإسلامية الموريتانية بداية سبعينيات القرن الماضي ، عاشها شخصيا دون زيادة أو نقصان المرحوم المختار ولد دادة أول رئيس موريتاني بعد نيل البلد استقلالها عن فرنسا .

    في سنة 1973، زار الرئيس الزاييري وقتذاك المارشال موبوتو سيسيكو موريتانيا لمدة ثلاثة أيام ، و كانت موريتانيا من أفقر البلدان الإفريقية ، حيث كان اقتصادها يعتمد بالأساس على الصيد البحري و الزراعة و الرعي … أثناء المباحثاث الثنائية بين الجانبين و التي استمرت لثلاثة أيام متتابعة ، لاحظ الرئيس الضيف أن مضيفه الموريتاني المختار ولد دادة لم يغير بدلته طيلة مدة الزيارة ، فأدرك أن مضيفه لا يملك المال الكافي لاقتناء البدلات الأنيقة الباهظة الثمن .

    و عند اختتام الزياة الرسمية ، و بينما هو في صالة المغادرة بمطار العاصمة نواكشوط ، سلم الرئيس موبوتو شيكا بمبلغ 5 ملايين دولار لسكرتير الرئيس ولد دادة ، لكي لا يحرج مضيفه ، و مع الشيك ورقة مكتوب عليها عناوين اشهر مصممي الأزياء في العاصمة الفرنسية باريس ، حيث دأب موبوتو على شراء بدلاته ، على أمل أن يحيك الرئيس الموريتاني لديها بدلات رسمية و توابعها تليق بمقام رئيس دولة .

    بعد مغادرة الضيف أرضية المطار ، سلم السكرتير رئيسه شيك الخمسة ملايين دولار قائلا على أنها هدية من الرئيس موبوتو لفخامتكم من أجل شراء ما تحتاجونه من بدلات رسمية أنيقة …، إستلم الرئيس ولد دادة الشيك و سلمه على الفور لوزيره في المالية من أجل وضعه في حساب الدولة . لاحقا و من هذا المبلغ الهدية تم بناء و تجهيز المدرسة العليا للأساتذة و المعلمين في موريتانيا ، التي كانت تعيش خصاصا و نقص في هذا المجال .

    و بعد مرور خمس سنوات ، أي سنة 1978 ، توقف الرئيس الزاييري بالمغرب قادما من زيارة قام بها للولايات المتحدة الأمريكية دامت أسبوعا كاملا ، بمجرد علم المختار ولد دادة بتوقف موبوتو بالعاصمة الرباط ، ربط الإتصال به داعيا إياه لزيارة موريتانيا و لو لفترة قصيرة ، الأمر الذي استجاب له الرئيس موبوتو سيسيكو . في الطريق من المطار إلى القصر الرئاسي بنواكشوط ، لاحظ موبوتو وجود لافتات باللغة الفرنسية تزين الشوارع مكتوب عليها : شكرا زايير …شكرا موبوتو …شكرا على الهدية …

    قبل وصول الموكب الرئاسي إلى قصر الضيافة توقف أمام المدرسة العليا لتكوين المعلمين و المعلمات ، ترجل الضيف و المضيف من السيارة … إستفسر الضيف و سأل المختار ولد دادة عن الهدية التي يشكره عليها الشعب الموريتاني ، مضيفا أنه وصل للتو و للأسف لا يحمل معه هدايا . عندئد إبتسم المضيف و أخبره عن هديته القيمة التي وهبها له منذ خمس سنوات خلت ، و أنه خصص مبلغا مهما منها لبناء مدرسة الأساتذة و المعلمين ، مسترسلا بأن الشعب في أمس الحاجة إلى المال لمحاربة الأمية و الفقر ….

    إندهش الضيف ثم بادر إلى معانقة مضيفه هامسا في أذنيه : لو قدر أن يكون باقي الرؤساء الأفارقة مثلك لما عانت قارتنا من الجهل و الأمية و الفقر و التخلف … فبادره المضيف المويتاني قائلا ، إنني أستلم راتبا شهريا من خزينة الدولة لقاء خدماتي و هو يكفيني في معاشي ، لكن هديتك حسبتها منك إلى الشعب الموريتاني ، أما مظهري و هندامي فلا يجوز أن يكون من أرقى المناشئ و بيوت الأزياء العالمية بينما شعبي يعاني من الفقر و العوز و قلة الحيلة …

    بالعلم فقط نستطيع أن نقضي على تلك الآفات و المعوقات التي تعرقل مسيرتا … بالعلم فقط نستطيع أن نقضي على الآفات و المعوقات التي تعيق مسيرتنا “تجربة رواندا و إثيوبيا مثال” ، دولتان إفريقيتان آثرتا الإستثمار في العنصر البشري و قطعتا أشواطا و أشواطا في التنمية البشرية المستدامة . و قد عرف عن الرئيس المختار ولد دادة رحمه الله ” توفي سنة 2003 ” زهده و بساطته و ابتعاده عن مظاهر الترف و البذخ ، و كان قيد حياته يسكن في منزل متواضع و بسيط من ثلاث غرف . قصة من صلب الواقع هدية ، بل صفعة لكل لص يتدثر بالدين الحنيف أو يتشدق بالهتافات الوطنية ليسرق لبن الأطفال و أحلام البسطاء …. و إلى مقال آخر …. أستودعكم في حفظ من لا تضيع ودائعه …

 

About هيئة التحرير

Leave a Reply

Your email address will not be published.

x

Check Also

طانطان.. توقيف ثلاثة أشخاص للاشتباه في ارتباطهم بشبكة إجرامية تنشط في تنظيم الهجرة غير المشروعة والاتجار بالبشر

طانطان.. توقيف ثلاثة أشخاص للاشتباه في ارتباطهم بشبكة إجرامية تنشط في تنظيم الهجرة غير المشروعة ...