24 ساعةأخبار وطنيةالواجهةجرائم وحوادث وقضاياحقوق الإنسانشباب

هروب تحت سن الرشد.. عندما تعجز المناهج التعليمية عن بناء الوعي

شهدت الأحداث الأخيرة المحيطة بمحاولات الهجرة الجماعية نحو مدينة سبتة المحتلة حركة غير مسبوقة أعادت طرح أسئلة حارقة حول واقع الفئات الشبابية والناشئة … لم تقتصر مشاهد التدفق على شبان يواجهون بؤس البطالة وانسداد آفاق الشغل، بل امتدت لتشمل تلاميذ لم يكملوا بعد مسارهم الدراسي، مما يعكس تحولاً خطيراً في تمثلات هذه الفئات لمستقبلها، ويبين أن الأزمة لم تعد مجرد البحث عن فرصة عمل، بل أصبحت أزمة ثقة وعمقاً في وعي البناء الذاتي والمسؤولية.

​وفي الوقت الذي يسارع فيه البعض إلى وصم هذا الجيل بالسطحية وغياب الوعي أو التهور الإرادي، يرى مراقبون أن هذا التوصيف يلامس السطح دون النفاذ إلى الجذور … فالوعي ليس صفة فطرية ولد بها الإنسان، بل هو نتاج تراكمي لتنشئة اجتماعية ومؤسساتية تلعب فيها المنظومة التعليمية دور العراب الأول … ومن هذا المنطلق، يصبح التساؤل مشروعاً حول مدى مسؤولية المناهج الدراسية الحالية في إنتاج هذا الانفصال عن الواقع، وفي دفع ناشئة لم تتجاوز مقاعد الدراسة بعد إلى إعطاء ظهرها للوطن والمغامرة بأرواحها في رحلات غير محسوبة العواقب.

​إن المتأمل في بنية المناهج التعليمية يلاحظ طغيان أسلوب التلقين الكمي والشحن المعرفي الجاف على حساب تنمية الحس النقدي والتفكير التحليلي لدى المتعلم … فالمدرسة، في كثير من الأحيان، تتعامل مع التلميذ كوعاء لاستيعاب المعلومات بغرض تفريغها في الامتحانات، بدلاً من تدريبه على قراءة واقعة، وتقييم المخاطر، واستشراف نتائج قراراته … هذا الغياب للتربية على التفكير المستقل يجعل الشاب عرضة للانسياق السريع وراء الحملات الجماعية والشعارات البراقة التي تجيشها منصات التواصل الاجتماعي، فيندفع نحو المغامرة دون قدرة على التمييز بين الحقائق والأوهام.

​تضاف إلى ذلك الفجوة الصارخة بين ما تتضمنه المقررات الدراسية وبين متطلبات الحياة اليومية وآفاق المستقبل المهني … عندما يشعر التلميذ داخل الفصل الدراسي بأن المعلومات التي يتلقاها معزولة عن واقعه المادي ولا تضمن له مساراً ملموساً لتحقيق الذات، ينشأ لديه يأس مبكر يفقد من خلاله التعليم قيمته الجوهرية كوسيلة للارتقاء الاجتماعي. هذا الشعور بـ “اللاجدوى” يحول المؤسسة التعليمية في نظر الناشئة من بيئة للأمل وبناء المستقبل إلى مجرد هدر للوقت، مما يسهل القرار بالركض وراء خيارات يائسة وبدائل سريعة دون الاكتراث بالخطورة.

​علاوة على ذلك، تعاني المناهج من اختزال مفهوم المواطنة والتربية المدنية في دروس نظرية صماء تفقد معناه الحي، حيث تغيب المهارات الحياتية الكفيلة بتمكين الشاب من إدارة الأزمات والنفس الشديد وتفريغ الضغوط. كما أن تهميش الأنشطة الموازية من مسرح وصحافة مدرسية ورياضة وفنون يفرغ البيئة التعليمية من منافذها التربوية لتصريف طاقات الشباب، مما يدفعه إلى البحث عن إثبات الذات أو نيل اعتراف أقرانه عبر سلوكيات متهورة تمنحه شعوراً زائماً بالبطولة، ولو كان ذلك على حساب حياته ومستقبله.

عبد السلام حكار

عبد السلام حكار مدير الموقع وصحفي منذ 1998 عضو مؤسس بالتنسيقية الوطنية للصحافة والإعلام الإلكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى