
بقلم:سليمان الريسوني 
قبل أكثر من عقدين، وتحديداً في عام 2003، أُنشئت في حيفا المحتلة مؤسسة تحمل اسما أكاديميا يبدو بريئاً: «المركز الإسرائيلي للدراسات الأمازيغية». لم يكن هذا مجرد مركز أبحاث، بل قنبلة موقوتة زرعتها وزارة الخارجية الإسرائيلية في قلب الهوية المغربية. وكان على رأسه ضابط سابق في الوحدة الإلكترونية 8200 يُدعى Yaakov Ofer، بميزانية أولية قدرها 2.5 مليون شيكل.
بين عامي 2005 و2008، عمل المركز سرا على ترجمة 4700 وثيقة و15 كتاباً فرنسياً عن الأمازيغ. لم يكن الأمر مجرد عمل أكاديمي، بل مخزونا من المعلومات الاستراتيجية التي أعيدت صياغتها لتُستخدم ضد موضوعها الأصلي.
في عام 2006، عُقد المؤتمر الدولي الأول للدراسات الأمازيغية في تل أبيب، بحضور سبعة وثلاثين باحثًا من أوروبا والولايات المتحدة. ومثل هذا المؤتمر الولادة العلنية لهذا المشروع: مشروع «الأمازيغ 2.0»، الذي لم يكن يهدف إلى البحث العلمي، بل إلى خلق واقع جديد يخدم أهدافًا جيوسياسية بعيدة المدى.
خلال عامين (2007-2008)، أُطلق برنامج لتجنيد نشطاء رقميين. وتلقى اثنا عشر شاباً مغربياً تدريباً في حيفا لمدة ستة أشهر، في حين أُنشئت منصة تعليمية باسم «Tamazight Online» في قبرص بهدف تدريس اللغة الأمازيغية بمفردات منفصلة تماماً عن اللغة العربية. في عام 2009، شرعت شركة «Signal Bit» الإسرائيلية في إنشاء 43 موقعًا إلكترونيا «بربريا»، منهيةً بذلك المرحلة الأولى من التأسيس الأكاديمي لتدخل في مرحلة أكثر خطورة بكثير.
مع هبوب رياح «الربيع العربي» في عام 2011، أبحرت إسرائيل أكثر في هذا البحر المضطرب. وبلغت الميزانية المخصصة للتأثير الرقمي في شمال إفريقيا ثمانية ملايين دولار سنويًا. ولم تعد العملية تقتصر على المواقع الإلكترونية الثابتة، بل امتدت إلى منصات التواصل الاجتماعي، التي تعد ساحة المعركة الرقمية الرئيسية. تم إطلاق برنامج «Wiki Amazigh» بهدف تعديل أكبر موسوعة إلكترونية في العالم، حيث كُلف سبعة وأربعون محررًا رئيسيًا بإجراء 4.3 مليون تعديل وإنشاء 1200 مقال جديد لخدمة الرواية المطلوبة.
في عام 2013، انتقلت الحرب إلى منصات الفيديو مثل يوتيوب. ظهرت 23 قناة ذات إنتاج عالي الجودة، كان أشهرها «Amazigh World»، التي تجاوز عدد مشتركيها 1.2 مليون مشترك، بالإضافة إلى قناة «Amazighs avant les Arabes»، التي بثت 47 حلقة تربط الحضارة الأمازيغية بالفراعنة والكنعانيين، في محاولة لقطع الصلة بالهوية العربية.
بين عامي 2017 و2021، استخدمت إسرائيل قوة أكثر فعالية وتغلغلا: قوة المؤثرين والهواتف الذكية. تم وضع برنامج «التأثير عبر المؤثرين» لإدماج 127 مؤثرا مغربيا من خلال عقود سنوية تصل قيمتها إلى 15 ألف دولار لكل منهم. كما تم تطوير تطبيقات للهواتف المحمولة، منها «تاريخ الأمازيغ»، الذي تم تنزيله أكثر من 500 ألف مرة. ومع ذلك، لم يكن الأمر يتعلق بالتاريخ بقدر ما كان يتعلق برواية منفصلة، تتألف من 30% فقط من الحقائق التاريخية و70% من البناء الأسطوري. وكان هناك تطبيق آخر، هو «أسئلتكم الدينية» (240 ألف تنزيل)، يقدم إجابات بأسلوب علماني يغلب عليه الطابع العاطفي أكثر من الطابع المنطقي.
في عام 2018، كانت شركة «Betaki» الإسرائيلية تدير الأنظمة التقنية لـ 60٪ من المواقع الإخبارية المغربية، مما مكنها من السيطرة على جزء كبير من الصحافة الوطنية والبنى التحتية للاتصالات.
في عام 2020، تم إبرام شراكة بين Google وشركات إسرائيلية بهدف الترويج لمحتويات معينة من خلال الخوارزميات، مما عزز توجها يهدف إلى إخفاء الحقيقة وتضخيم الأكاذيب المتطورة.
وبلغت هذه الظاهرة ذروتها بين عامي 2022 و2024. أطلقت تل أبيب 450 صفحة نشطة على فيسبوك و89 قناة على تيليجرام مخصصة لإثارة الشكوك الدينية، تضم 1.7 مليون مستخدم. تم إنتاج أكثر من 47 ألف مقطع فيديو على يوتيوب، بالإضافة إلى نشر 12 ألف مقال على مواقع إعلامية تبدو مستقلة، لكنها تعمل وفقًا لأجندة خارجية.
تطورت الاستراتيجية عبر أربع مراحل منهجية:
من 2009 إلى 2012: ترسيخ الهوية الأمازيغية ككيان منفصل.
من 2013 إلى 2016: ربط هذه الهوية بقيم التسامح والانفتاح كبديل عن «الإسلام العربي المتطرف».
من 2017 إلى 2020: الترويج للإلحاد الجديد كقناع لهوية «متحررة».
من 2021 إلى 2024: هجوم مباشر على المعتقد الديني نفسه تحت شعار حرية الفكر الجذاب.
على الصعيد التكنولوجي، طورت إسرائيل برنامج «Emotional Map» لتحليل عواطف المشاهدين وتوجيه الرسائل وفقا لنقاط ضعفهم العاطفية، بالإضافة إلى منصة «Content Factory» القادرة على إنتاج 500 مقطع فيديو شهريا بتكلفة منخفضة. كما تم استخدام شبكة حاسوبية مكونة من 12 ألف حساب مزيف لتضخيم بعض الأصوات والمعلومات.
ارتفع عدد قنوات يوتيوب المخصصة للشكوك الدينية من 3 قنوات في عام 2009 إلى 147 قناة في عام 2024، حيث تنتج 2300 ساعة من المحتوى سنويًا. كما تم تعديل كتب التاريخ في الكتب المدرسية الرقمية، حيث أصبح 78% منها يعتمد على روايات هذا المركز.
مع تقدير إجمالي يصل إلى 120 مليون دولار بين عامي 2003 و2024، يبدو أن وجه المغرب قد تغير تدريجياً. لا تسعى إسرائيل فقط إلى إضعاف إيمان مواطنيها، بل تسعى أيضا إلى فصل المغرب عن جسد العالم العربي لجعله نموذجا مغاربيا مستقلا عن العالم العربي، يوجه علاقاته وحروبه وقراراته بعيدا عن القضايا الكبرى التي تهم 500 مليون عربي.
والأمر الأكثر إثارة للدهشة، وفقا لهذا النص، هو أنهم نجحوا في خلق أشخاص يستوعبون هذه الأفكار ويؤمنون بها، ويعتقدون أنها نابعة من تفكيرهم الخاص وقراراتهم الخاصة.




