
بقلم: عبد الرحيم بودلال
في ندوة شُعاع الموسومة بسؤال “هل انتهى زمن الإسلاميين في المغرب؟ مثقفون يكشفون مستقبل التيار الإسلامي”، جاءت مداخلة الأستاذ الجامعي في القانون العام والباحث في العلوم السياسية وعضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، عبد العالي حامي الدين، ضمن بحث فكري ونقاش سياسي حول طبيعة المرحلة التي يمر بها التيار الإسلامي حالياً.
في البداية يرى حامي الدين أن الحركات الإسلامية والظاهرة الإسلامية عموماً ليست فصيلاً طارئاً أو حدثاً عابراً في المشهد السياسي المغربي، بل هي تنتمي للمجتمع المغربي ومتأصلة فيه، فهي ليس غريبة عن المجتمع المغربي أو “بدعاً من الناس”، والأكثر من ذلك فهي امتداد للحركة السلفية الوطنية. يناقش ذلك من خلال وضع سيرورة تاريخية خطية واضحة المعالم “لا غبار عليها”، ابتداء من الاستعمار إلى مرحلة الاستقلال. يقوم بهذا التنظير السياسي دون الإشارة إلى التيارات الأخرى المخالفة للتيار الإسلامي في المرجعية، ودون الحديث عن موقف الإسلاميين من التيارات اليسارية التي يختلفون معها في الأيديولوجيا، ثم لم يتحدث عن تأثير التحديث الاجتماعي والسياسي على المجتمع المغربي المعاصر. كان المجتمع المغربي لازال ينتمي لما قبل الحداثة، بل يكتفي بذكر مزايا الدولة الوطنية التي أتاحت للتيارات القديمة مثل الزوايا والمجموعات تنظيم نفسها في هياكل حزبية جديدة، يرى أن الناس كانت تجتمع قديما حول الشيخ والداعية وهي الآن تتجمع حول الزعيم السياسي. بذلك فالمجتمع في نظره واحد موحد منذ المعين الأول، ولم يتحول البتة عن المرجعية الإسلامية، بذلك حزب العدالة هو الأصل والباقي دخلاء أو فروع.
قد نتفق مع حامي الدين حول جزئية معينة؛ إذا كانت الحداثة سيرورة تاريخية وتأثيرها يصل لكل مستويات الحياة العامة، فإن الإسلاموية جزء من هذه الحداثة، هي تقليد للحداثة في مراحل معينة، خصوصا وأن الحداثة ظاهرة متجددة. بذلك فالإسلامية ليست دعوة للعودة إلى الإسلام التقليدي المذهبي بل هي صراع ضده، فهي خرجت ضد المذاهب الأربع التي كانت متصالحة مع الواقع ضمن إطار معين من التجديد الفقهي، بل هي محاولة لإحياء الإسلام التقليدي وتنقيته مما أصابه من نتائج “الجهل” والاختلاط بالحداثة، هي محاولة لتجاوز التقاليد والأعراف المحلية واحلالها بمفاهيم أصولية نقية تنتمي للجماعة المتخيلة حول مجتمع الرسول والصحابة.
أما علاقة السلفية الوطنية برواد النهضة وحجم التأثير والتأثر بينهم، ومحاولاتهم استرجاع الحديث عن الخلافة بعد سقوط الدولة العثمانية، فالأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا ليسوا على منوال واحد، بحسب باحثين كثر أن رشيد رضا أكثر أصولية من محمد عبده، حيث تلاميذ عبدو كثر، منهم الحداثيون، وقد انقسموا في عشرينيات القرن العشرين إلى قوميين ليبيراليين ويساريين قرؤوا التراث والقرآن بمناهج مادية حديثة، وسلفيون من أتباع رشيد رضا الذي جمع كتابات أستاذه الأفغاني وأعلن نفسه التلميذ الأقرب والوفي له، وراح يشدد على الإرث الإسلامي المحض.
بذلك يمكن اعتبار رشيد رضا صاحب مجلة المنار ارتداداً جدلياً عن إصلاحية محمد عبده الفكرية والتعليمية الحقيقية، إلى الأخذ بجانب من سلفية جمال الدين الافغاني المناضلة. وبتجاوز إصلاحية عبده في العودة إلى النصوص والآثار، لقد عاد رضا إلى العمل السياسي المكثف ودعا إلى استرجاع الخلافة التي كان يرفضها عبده، بذلك يعد رضا المنظر الأول للإسلامية في العالم العربي، حيث تأثر به حسن البنا كثيراً.
أما قول حامي الدين بتعاطف السلفية المغربية مع اعدام السيد قطب، فإن التعاطف لا يعني بالضرورة الأخذ بأفكار السيد، كما أن كتابات علال الفاسي والحجوي والوزاني أسبق من كتابات سيد قطب.
ثم إن السياسي حامي الدين يرفض مصطلح الإسلاميين “الذي صنع في المختبرات الغربية”، ويفضل مكانه مصطلح “مسلم”، في حين أن حركات الإسلام السياسي انطلاقاً من علاقتها بالدولة الحديثة، أرادت تحويل اليوتوبيا الرجعية المتخيلة إلى برنامج سياسي لحركة سياسية، تتعامل مع الشريعة كأنها مجموعة قوانين وضعية قابلة للتطبيق، ومع الحكم النبوي والخلفاء الراشدين كأنه دولة، ومع الشورى كأنها مجلس شيوخ أو مجلس نواب، وخلافة النبي بعد وفاته كأنها نظام حكم إسلامي قائم بذاته.
فالإسلام السياسي حوَل التدين الجماهيري المعروف بالتدين الشعبي المتصالح مع الواقع والأعراف والتقاليد، إلى مشروع سياسي يقوم على نمط تدين جماعاتي أصولي يريد استرجاع “دولة الخلافة”. لذلك فإن توفيقته في محاولة الجمع بين الحداثة والتقليد في صورة مثالية، بين حكم إسلامي مطلق وتدبير سياسي حداثي يقوم على التعددية والاختلاف جعله يسقط في شراك الشعبوية والتناقض الصريح، وبتعبير وائل حلاق يستحيل استرجاع الخلافة الإسلامية وفق تصور دَولاتي للمجتمع المعاصر.
قد نتحدث عن الحركة الإسلامية المغربية المشاركة (المتمثلة في العدالة والتنمية وامتدادها الدعوي والمدني) والتي صاغت أطروحتها السياسية تسعينات القرن الماضي على أساس التقسيم بين أفعال النبي، من أفعال متعلقة بالإمامة (السياسة) وأفعال متعلقة بالعبادة، سمح لهم ذلك بعدم الدخول في صراع مع الدولة كما هو الحال مع العدل والإحسان، وأتاح لهم التموقع داخل المؤسسات بوجود مساحة ضيقة من الحرية والحركة، مكنهم من بعض الاندماج. إلا أن أطروحة “التمايز” ناقصة وغير مكتملة، لأنها لا تقوم على الدنيوة كما فعلت الأحزاب الدينية المسيحية في نزع الأسطرة عن المقدس، بل هي تجعل من الشريعة السماوية مصدرا للقوانين وتجعل من الدين دعوة إلى السياسة. ثم بوجود نظام سلطوي يقوم على اقصاء الجميع وعلى التهميش، فإن التحول إلى ما بعد الإسلاموية مؤجل إلى حين إشعار آخر.





