24 ساعةأخبار وطنيةالواجهةحقوق الإنسان

هل تعيش ساكنة جماعة الخوالقة تهميشاً ممنهجاً أم نسياناً مؤسساتي؟

بقلم ذ. نور الدين الكيحل

إقليم اليوسفية: صرخات ساكنة تستغيث وسط ظلام التهميش وغياب أبسط مقومات العيش الكريم

في الوقت الذي تتباهى فيه التقارير الرسمية بورش التنمية المجالية وفك العزلة عن العالم القروي، وتتغنى فيه الجهات الوصية بسياسة تقريب الإدارة من المواطن وتعميم البنيات التحتية الأساسية، تعيش ساكنة جماعة الخوالقة (إقليم اليوسفية) واقعاً مراً يطبعه الإقصاء الممنهج والتهميش التنموي الحاد. واقع يحمل في طياته تناقضاً صارخاً بين تضحيات أبناء المنطقة الأبرار وبين جفاء المؤسسات المنتخبة وغياب الدعم الحكومي الفعلي.

​1. أبسط حقوق العيش الكريم.. حبر على ورق في سنة 2026

إلى حدود كتابة هذه الأسطر في سنة 2026، وما يرافقها من شعارات الحداثة والرقمنة والعدالة المجالية، ما زالت أسر وعائلات تقطن بدوار “أولاد أمحمد” ودواوير أخرى بجماعة الخوالقة تعيش خارج التاريخ الجغرافي للكهرباء والتزويد بالماء الصالح للشرب. عائلات تحنّ إلى مجرد مصباح يضيء عتمة الليل، أو قطرة ماء تروي الظمأ دون عناء التنقل والبحث عن صهاريج ومصادر بعيدة. فحرمان المواطنين في القرن الحادي والعشرين من شبكة الكهرباء والماء الصالح للشرب يعد خرقاً سافراً لدستور المملكة ولكل المواثيق المتعلقة بالحقوق الأساسية للمواطن في العيش الكريم.

​2. طرق مهترئة، عزل مضاعف، ومجزرة تهدد صحة المواطنين

ولا يتوقف مسلسل المعاناة عند حدود غياب الماء والكهرباء، بل يمتد ليشمل البنيات الطرقية المهترئة التي تحولت إلى مطبات حفرية تعيق حركة التنقل وتضاعف من معاناة المرضى والنساء الحوامل والتمدرس. زد على ذلك، الغياب التام لشبكة الاتصالات (“الريزو”) في العديد من المناطق الحيوية بالجماعة، وهو ما يعزل الساكنة كلياً عن محيطها الخارجي ويجعل أبسط التواصلات المستعجلة مغامرة محفوفة المخاطر.

وفي السياق الصحي والبيئي المتردي ذاته، تشهد الجماعة وضعية كارثية للمجزرة التي تُعرض فيها اللحوم في ظروف لا تلبي أدنى شروط السلامة الصحية، مما يمس مباشرة بصحة وسلامة المواطنين، ويطرح علامات استفهام كبرى حول مآل هذه المرافق الحيوية وإلى متى ستبقى أرواح الناس رهينة هذا العبث.

​3. سخاء مغاربة العالم مقابل جحود المؤسسات

المفارقة المؤلمة التي تؤجج شعور الساكنة بالغبن والقهر، هي التضحيات الجسام التي يقدمها أبناء هذه الجماعات المتواجدون بديار المهجر (بإيطاليا وإسبانيا). فهؤلاء المهاجرون، وفاءً لتراب الوطن والأصل، لم يدخروا جهداً في مؤازرة أهلهم؛ حيث ساهموا بمالهم الخاص في اقتناء عدة سيارات إسعاف لإنقاذ الأرواح، ودعموا مشاريع اجتماعية وتنموية صغيرة رتقاً للفتق وتخفيفاً لمعاناة اليوم القاسي. لكن، أمام هذا السخاء والتضامن اللامتناهي من طرف أبناء المهجر، يطرح السؤال الجوهري المؤلم بمرارة بالغة: ماذا فعلت الدولة لهذه الساكنة؟ وأين هي سياسات هذه الحكومة الحالية؟ ألم يكن جزاء هذا الوفاء سوى مزيد من الإقصاء والتهميش الممنهج، وكأن قدر هذه الدواوير أن تُعاقب على وطنيتها وتضامنها؟

 

​4. أين المنتخبون؟ أسئلة الحصيلة المعلقة

وأمام هذا الوضع الكارثي، يرتفع صوت الساكنة متسائلاً بحدة عن دور المجالس المنتخبة والممثلين المحليين الذين وضعوا ثقتهم فيهم: أين هم من مأساة حرمان الدواوير من الكهرباء والماء، ووضع كارثية المجزرة؟ وهل دافع أي منهم يوماً تحت قبة المجالس المنتخبة أو أمام المصالح الإقليمية عن حق هذه المنطقة في التنمية؟ وأين هي حصيلتهم الانتخابية المزعومة أمام هذا الخراب التنموي الشامل؟ إن المسؤولية السياسية والأخلاقية تفرض على هؤلاء المنتخبين الخروج من صمتهم المريب، أو الإقرار بعجزهم الفادح عن تدبير الشأن المحلي بما يخدم مصلحة المواطن البسيط.

 

​خلاصة ونداء

إن ساكنة جماعة الخوالقة لم تعد تحتمل مزيداً من الوعود الكاذبة والسياسات الترقيعية. فهي اليوم تدق ناقوس الخطر وتوجه نداءً عاجلاً إلى السلطات الإقليمية باليوسفية وعلى رأسها عامل الإقليم، وكل الضمائر الحية، للتدخل الفوري لرفع هذا الحيف التاريخي، وإدراج دواوير “أولاد أمحمد” وباقي الدواوير المهمشة في برامج الكهربة القروية، وتوفير الماء الصالح للشرب والمسالك الطرقية اللائقة، وفك العزلة الرقمية عنها، وإصلاح وضعية المجزرة حماية لصحة المواطنين. فالتنمية الحقيقية لا تقاس بالشعارات الرنانة، بل بقدرة المسؤولين على إنصاف المناطق المنسية وإعادة الاعتبار لكرامة المواطن القروي قبل فوات الأوان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى