
رضى بوكمازي يكتب:
يكاد يكون من الثابت في الممارسة السياسية المغربية أن إيقاع تفاعل الملكية مختلف عن إيقاع تفاعل باقي الفاعلين، خاصة أن هذا الإيقاع يبقى مسكون بالحاضر والمستقبل والتاريخ، صحيح أنه يتجاوز أحيانا ثقل وتأثير تلك الرمزيات ولكن يكون ذلك في لحظات وسياقات سياسية واجتماعية خاصة ودقيقة (التعامل مع لحظة 20 فبراير / حادث كالفان)، هذه الوضعية تفرض نفسها في التعاطي مع الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الحالية.
لهذا جاء الخطاب الملكي في اعتقادي والذي لم يكن متوقعا منه في هذا السياق أن يقدم إجابات لحظية بعد أن قامت الدولة بقراءة متأنية للمشهد ولطبيعة الدينامية الإجتماعية وحدود أثرها وثأثيرها وطبيعة الفاعلين فيها، من أجل التأكيد على بنية المؤسسات والمحافظة عليها ويضمن استقرارها.
هذا الخطاب الذي يستدعي في نفس الوقت خطاب العرش وهو الخطاب الذي يمكن اعتباره خطاب أعلن بشكل غير مباشر عن كون عزيز أخنوش بات رئيس حكومة يصرف الأعمال من جهة ومن جهة أخرى يفتح الأفق ويبث الأمل في استحقاقات انتخابية يمكن أن تنتج مؤسسات ذات تمثيلية حقيقية وذات مصداقية وحائزة لمشروعيتها الكاملة ومن المفترض عبرها تجاوز لحظة الثامن من شتنبر التي لا يمكن أن يخفي أحد أنها أصبحت عبأ على الجميع بما فيهم الدولة.
بل إن خطاب الافتتاح جاء ليؤكد بشكل ضمني أن أثر الإحتجاجات المجالية والنابعة من المناطق الجبلية والقروية بل وحتى الحضرية والتي تعبر عن حالة التناقض الصارخ بين عموم المجال المغربي قد تكون أكثر خطر من أية احتجاجات أخرى وحاول أن يرتب عن ذلك أجوبة تتجه في نفس منحى خطاب العرش، مع تدقيق جديد في دور المنتخبين في ذلك.
غير أن هذا الخطاب والذي لم يوجّه اللوم للحكومة والبرلمان بشكل مباشر ، يجب أن لا تعتبره الحكومة ومن يدور في فلكها أنه صك براءة يجعلها في حالة انتشاء وتعالي جديدة تستأنف بعده ما كانت تقوم به، بل على العكس من ذلك هو في العمق يحافظ للحكومة كمؤسسة على دورها في إطار بناء مؤسساتي قائم ويحرص على ضمان استقراره ولكن يحدد أفقا لرحيلها مرتبط بالزمن الانتخابي على اعتبار أنه لا حاجة بالنسبة لعقل الدولة لأي إرباك لأجندة الاستحقاقات مدام الأمر لا يتعلق بأحداث ماسة بالاستقرار.
ولكن ماهو المطلوب خلال هذه المرحلة خاصة وأن جزء كبير من الشباب قد علق آمال كبرى على هذا الخطاب، هل سنغلق قوس احتجاجات جيل Z ونعتبر أنه لا شيء قد حدث ؟ ويخرج علينا أخنوش ومن معه للإحتفاء والإنتشاء من جديد؟ هل سنستمر في نفس المنطق القائم على تهشيم وتهميش الأحزاب السياسية والمؤسسات المنتخبة وجعل القرار العمومي بعيدا عن مجال السياسة والإنتخابات؟ وننتج من جديد مؤسسات فاقدة للمشروعية؟ هل سيستمر منطق عدم الاستماع للتنبيهات المستمرة لخطورة الجمع بين المال والسلطة وتضارب المصالح واستغلال مواقع النفوذ والتمكين للفساد وحمايته؟
إذا لم تُستثمر صرخة الشباب بالشكل المطلوب، ولم تقدم عليها إجابات في الزمن القريب والمتوسط تستجيب لمطالبها المعقولة والمشروعة والتي تم التنبيه لها منذ مرور سنة تقريبا على تشكيل هذه الحكومة، وإذا لم ترتب الإجابات الواجبة في عمقها السياسي والديمقراطي سنكون ضيعنا من جديد فرصة مهمة لإعادة الأمور إلى نصابها، وستكون لحظة لتبديد جزء جديد من الثقة في المؤسسات وفي قدرتها على التفاعل الإيجابي مع مطالب واحتياجات المجتمع،.





