24 ساعةأحزابأخبار وطنيةالواجهةعالم السياسة

هل عقمت اليوسفية عن إنجاب رجالاتها،حتى نستورد لها مرشحين من خارج الاقليم ؟

بقلم ذ. نور الدين الكيحل

​تشهد الساحة السياسية بإقليم اليوسفية، مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، تكراراً لسيناريو بات يثير الكثير من الجدل والاستياء لدى عموم المواطنين: ظاهرة “المرشحين الغرباء”. وهم أشخاص لا يربطهم بالإقليم رابط جغرافي، اجتماعي، أو تاريخي، يتخذون من اليوسفية “محطة عبور” للوصول إلى قبة البرلمان، مستغلين ثغرات في النظم الانتخابية وتحالفات ظرفية لا تراعي تطلعات الساكنة.

​لماذا اليوسفية؟ رحلة البحث عن “المقعد السهل”

​يتساءل المراقبون اليوم بمرارة: لماذا يقصد هؤلاء الغرباء إقليم اليوسفية تحديداً؟ الإجابة تكمن في حسابات انتخابية ضيقة؛ حيث يُنظر إلى الإقليم كـ “مضغة سهلة” أو “خزان احتياطي” لتأمين مقاعد لأشخاص فشلوا في إثبات ذواتهم في معاقلهم الأصلية.

​وهنا يبرز التساؤل الجوهري الذي يتردد على لسان كل مواطن يوسفي: إذا كان هذا المرشح، الذي غالباً ما يرتدي عباءة “الوزير” أو المسؤول الكبير، يمتلك من الكفاءة والشرعية ما يؤهله لتمثيل الأمة، فلماذا لا يترشح في منطقته الأصلية وبين أهله الذين يعرفونه ويعرفهم؟ أليس في إحجامه عن الترشح في مسقط رأسه اعتراف ضمني بضعف رصيده لدى من هم أعرف به؟ فكيف ننتظر النماء والالتزام من شخص هرب من اختبار الثقة في أرضه ليقتات على أصواتنا في أرض لا يعرف همومها؟

​إرث التجارب : سياسة “الهاتف المغلق”

​لقد أثبتت التجارب السابقة أن الرهان على “المرشح الوافد” هو رهان خاسر بكل المقاييس. فالممارسة السياسية التي شهدها المواطن اليوسفي مع هؤلاء تلخصت في مشهد بات مألوفاً: حملة انتخابية صاخبة، وعودٌ براقة، ثم “صمت مطبق”. وبمجرد إعلان النتائج وضمان المقعد، تبدأ رحلة “الاختفاء الكبير”؛ تُغلق الهواتف، وتُقطع صلة الوصل، ويصبح التواصل مع “الممثل” ضرباً من ضروب الخيال. ينسى هؤلاء أنهم أتوا ليكونوا صوتاً تحت قبة البرلمان، لا ليتحولوا إلى أشباح سياسية تظهر في المواسم وتختفي في الأزمات.

​مسؤولية مزدوجة : الأحزاب والناخب في قفص الاتهام

 

​إن استمرار هذه المهزلة السياسية ليس قدراً محتوماً، بل هو نتيجة تواطؤ غير مقصود:

  • ​مسؤولية الأحزاب السياسية : التي تعامل اليوسفية باستعلاء، وتُهمش الكفاءات المحلية لصالح “وافدين” يملكون نفوذاً مالياً أو علاقات ظرفية، جاعلة من الإقليم دائرة انتخابية “للبيع والشراء” بعيداً عن منطق التنمية.
  • ​مسؤولية الناخب اليوسفي : الذي يمتلك الكلمة الفصل، لكنه أحياناً يفرط في مستقبله ومستقبل أجياله مقابل منافع آنية ضيقة، أو انقياد عاطفي لخطابات انتخابية يعلم الجميع أنها أكبر من صلاحيات البرلماني وأبعد عن الواقع.

​نحو قطيعة مع “الوصاية الانتخابية”: كيف نواجه الظاهرة؟

  • ​إن التغيير الحقيقي لا يبدأ إلا بكسر الحلقة المفرغة للولاءات الحزبية والانتخابية. يتطلب ذلك:
  • ​تفعيل “الميثاق الأخلاقي للناخب”: أن تُشترط السيرة والمسيرة داخل الإقليم كمعيار أساسي للتصويت، ورفض أي مرشح لا يمتلك “جذوراً” وتاريخاً من التفاعل الميداني مع مشاكل الساكنة.
  • ​المحاسبة القبلية لا البعدية: فرض مناظرات علنية ملزمة للمرشحين، حيث يتم استجواب “الوافد” حول معرفته الدقيقة بجغرافية ومشاكل الإقليم، لا الاكتفاء بالوعود العامة.
  • ​تكاتف النخب المحلية: على الكفاءات اليوسفية التي تم تهميشها أن تنتظم في إطار ضاغط يفضح “صفقات التزكية” التي تبرم في كواليس العواصم، بعيداً عن مصلحة الإقليم.
  • ​سلاح المقاطعة النوعية : أن يُدرك الحزب أن “المرشح الوافد” هو مخاطرة بالرصيد الانتخابي، وذلك عبر مقاطعة واسعة للمرشحين غير المنتمين ترابياً، مما يجعل الإقليم “بيئة طاردة” للانتهازيين السياسيين.

​”ابن البلد”.. خيار الانتماء والمحاسبة

​في المقابل، تظل معادلة “ابن البلد” هي الأصدق؛ فهو من يعيش معاناة الساكنة يومياً، وهو من لا يملك “خيار الهروب” بعد انتهاء المهمة؛ لأن أهله، تاريخه، ومستقبله موجودون هنا. إن “ابن الدار” موجود دائماً للمحاسبة، ووجوده بيننا يجعلنا أقرب لمطالبنا. نحن لا نبحث عن ملائكة، بل نبحث عن “ابن دار” يشاركنا الهم والمصير، نخطئه ونحاسبه، ونصحح معه مسار إقليمنا، بدلاً من “غريب” يغلق أبوابه خلفه بمجرد أن يحصل على مبتغاه.

​فاليوسفية ليست للبيع .. والقرار قراركم

​إن اليوسفية اليوم لا تحتاج إلى “سياح سياسيين” يقطنون في فنادق الرباط ويحلمون بالبرلمان عبر بوابتنا. إن قبولنا بهؤلاء يعني بصمة عار نضعها في صندوق الاقتراع كل بضع سنوات. لقد حان الوقت لنعلنها صراحة: إقليمنا ليس “مضغة سهلة”، وأصواتنا ليست بضاعة تباع لمن يدفع ثمن التزكية.

​تذكروا، في المرة القادمة التي يطرق فيها “غريب” بابكم ليطلب صوتكم، اسألوه عن مكان إقامته، عن مشاريعه السابقة في المنطقة، وعن رقم هاتفه الذي سيغلقه ليلة إعلان النتائج. لا تمنحوا المفتاح لمن لم يشارككم يوماً في بناء الدار؛ فمن يهرب من مواجهة أهله، لن يتردد لحظة في خذلانكم تحت قبة البرلمان. القرار اليوم بين أيديكم، فإما عزة “ابن البلد” أو ذل “الوافد المتغيب”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى