
بقلم: إدريس الإدريسي
هل حقا مازال المغرب يتمذهب بالمذهب المالكي؟ وأي توبة تدعوننا إليها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية؟
بعد منع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية صلاة الكسوف بالمساجد لتزامنها مع وقت الكراهة انتصارا للمذهب !!وطلبها من عموم المغاربة، اللجوء إلى الله تعالى بالتوبة والاستغفار، والإكثار من الذكر والدعاء بدلا من ذلك. نتساءل: هل حقا مازلنا #نتحاكم إلى المذهب المالكي في حياتنا اليومية، وقضايانا الشرعية؟ أم هو الاستخفاف بعقول المغاربة والتلاعب بأحكام الشريعة؟ ثم نتساءل عن نوع التوبة التي تدعوننا إلها الوزارة الوصية؟
بداية ليس الغرض من النقاش إثارة الجدل حول هذه القضية الفقهية، أو التشكيك في المذهب، فأنا أذم الجدال في القضايا المختلفة فيها وأكرهه، وأحب الاحتكام فيها للمذهب؛ توحيدا للصف وجمعا للكلمة؛ لكن السؤال الذي يطرح نفسه: أين هو رأي المذهب المالكي من القضايا الكبرى التي تشغل بال المواطنين، وتؤرق تفكيرهم، مع أن الحكم فيها محل اتفاق؛ ليس بين المذاهب الفقهية فحسب، بل بين جميع الشرائع السماوية أيضاً؟؟
ففي الوقت الذي كانت فيه وزارة الأوقاف تستعد لإصدار بلاغها حول الأحكام الشرعية المتعلقة بظاهرة الكسوف، كانت الهدايا والقرابين في طريقها إلى الولي الصالح مولاي عبد الله أمغار في الموسم الذي ينظم كل سنة، وترتكب فيه معظم الفواحش؛ من الزنا والتحرش والشذوذ والذبح لغير الله، وغيرها من الموبقات التي تمس عقيدة التوحيد وأصول الأخلاق المتفق على وجوب حفظها في جميع الشرائع والأديان، ومع ذلك لم نسمع رأي السادة المالكية فيها أبدا!!؟؟
وغير بعيد من المكان الذي يقام فيه الموسم البدعي، توجد شواطئ يحج إليها الكثير من الناس من مختلف الأعمار والأجناس، ولا يخفى على أحد ما يقع فيها وفي فضاءاتها من مخالفات شرعية، ومنكرات علنية؛ ومع ذلك لم يكلف علماء التسديد أنفسهم بتقديم موعظة أو خطبة يبينون فيها آداب وأحكام ارتياد هذه الأماكن والفضاءات كما ينص عليها مذهب إمام دار الهجرة رحمه الله!! وقس على ذلك غياب رأي المذهب بالكلية عن قضايا كثيرة لا يجوز السكوت عنها، أو تأخير البيان فيها!!
أمام هذا المشهد نسائلكم سادتنا العلماء؛ هل باتت نصرة المذهب عندكم محصورة في المحافظة على قراءة الحزب الراتب، والدعاء جهرا بعد المكتوبة، وإقامة محاكم التفتيش للأئمة لمعرفة من يصلي منهم بالقبض ومن يصلي منهم بالسدل؟ ـ مع العلم أن الأمر في ذلك غير مسلم لكم به حتى داخل المذهب نفسه – كما نسائلكم هل بات اختصاص الوزارة محصورا في إصدار بلاغات موسمية؛ حول رؤية الهلال وزكاة الفطر، وأحكام الكسوف والخسوف، وصلاة الاستسقاء، دون أن تتجاوز ذلك إلى القضايا الكبرى التي تتوقف عليها حياة الناس وتترتب عليها سعادتهم، ونجاتهم في الدنيا والآخرة؟ ثم نسائلكم معاشر الفقهاء: هل هذا الفعل منكم يعد نصرة للمذهب بحق؟ أم هو تلاعب بأحكام الشريعة واستخفاف بعقول المغاربة؟ أما علمتم سادتنا العلماء؛ أن الزمان قد تغير، وأن الشعب بلغ من الوعي ما يجعله يميز بين من يناصر دينه وثوابته؟ وبين من يجعل من ذلك مجرد شعار لمآرب أخرى؟
وفي شأن التوبة التي حثنا عليها السادة العلماء، فإننا؛ إذ نشكر لكم موعظتكم وتذكرتكم. إلا أننا نعود لنسائلكم: أي توبة تقصدون؟
هل التوبة من هذه المواسم البدعية ؟ومنكم من يباركها، ويستثمر فيها ويشجع عليها!؟ أم التوبة بالرجوع إلى الله والاحتكام إلى شرعه؟ وقد جعلتم من الجمعة منبرا للعلمانية؛ تناصرها وتدافع عن قوانينها؟
أم لعلكم تقصدون التوبة من الربا؟ فنخبركم أن منكم من أباحها؟ أم تقصدون التوبة من التدخين؟ فنذكركم أن منكم من جوزه؟ أم لعلكم تقصدون التوبة من الحضور لسهرات طوطو ومن على شاكلته في مهرجان موازين وغيره؟ فننبهكم إلى أن الوزير زعم في ذلك الاختلاف بين الفقهاء؟ فيكون الحضور أخذا برأي بعضهم؛ عملا مشروعا، لا معصية تستوجب التوبة؟
فيا سادتنا العلماء؛ إن الأمر جد، وإن سفينة الوطن التي نركبها جميعا، كل يوم يتسع خرقها، وإن أمواج الفتن تتقاذفها من كل جانب، وإن الخسوف – كما علمتموننا – آية من آيات الله يخوف بها عباده، وينذر بها خلقه، والموفق من اتعظ واعتبر، والسعيد من تاب إلى الله وأناب؟
وأصدق انواع التوبة وأخلصها على الإطلاق﴿ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ)؛ أن تثوب الأمة كلها إلى رشدها، وتعقد العزم على العودة إلى ربها؛ المسؤولون بإقامة العدل في الأرض، ورد الحقوق إلى أصحابها، وصرف الأموال في وجوهها الشرعية، مع مراعاة؛ الضروريات، وفقه الأولويات، تخفيفا على الناس، وتيسيرا عليهم..؛والعلماء بأداء الأمانة التي كلفوا بحملها، وتبليغ الرسالة التي أمروا بحفظها، دون تدليس، أو تحريف، أو تبديل؛ وعامة الناس بأداء الحقوق المنوطة بهم؛ استجابة لأمر الله تعالى الذي استخلفهم في الأرض، وأمرهم بعمارتها.
والله أسأل أن يديم علينا نعمة الأمن والإيمان، والسلامة والاستقرار، وأن يحفظ بلدنا من الشرور والفتن، وسائر بلاد المسلمين.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه.





