
حين حاولتُ، بدافع فضول بسيط، استنطاق بعض أدوات الذكاء الاصطناعي ومحركات البحث الرقمية للعثور على معلومات حول الولي الصالح سيدي مسعود بن حسين، دفين أولاد فرج بإقليم الجديدة، لم أكن أتوقع أن أجد نفسي أمام روايات متضاربة ومعلومات غير مستقرة. بعض الإجابات قدّمت معطيات عامة لا تخصه تحديداً، وأخرى خلطت بينه وبين شخصيات تحمل أسماء متشابهة، بينما اكتفت مصادر كثيرة بمعلومات سطحية لا تعكس مكانته في الذاكرة المحلية.
هذه التجربة، التي قد تبدو معزولة، تكشف في الواقع إشكالا أعمق: كيف يمكن لأنظمة باتت تُستخدم كمصدر سريع للمعرفة أن تعكس تاريخاً محلياً بدقة، في ظل ضعف حضوره داخل الفضاء الرقمي؟
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية متقدمة، بل أصبح وسيطاً يومياً للوصول إلى المعرفة. كثيرون اليوم يلجؤون إليه لطرح الأسئلة، كتابة النصوص، أو حتى لفهم التاريخ والثقافة. هنا يطرح سؤال بسيط في ظاهره، لكنه مقلق في عمقه: كيف “يرى” الذكاء الاصطناعي المغرب؟ وهل ما يقدمه يعكس فعلا خصوصية الهوية المغربية، أم أنه مجرد صورة تقريبية تُصنع من خارجها؟
حين لا تجد الخوارزميات ما يكفي لتفهمك
المشكلة لا تكمن في “ذكاء” هذه الأنظمة، بل في ما تتغذى عليه من بيانات. فكلما كان حضور موضوع معين ضعيفاً رقمياً، كان تمثيله داخل الذكاء الاصطناعي أضعف وأكثر عرضة للخلط.
وهنا تظهر إحدى نقاط الضعف الواضحة: المحتوى المغربي الموثق، خاصة في مجالات التاريخ المحلي والثقافة، لا يزال محدوداً مقارنة بغيره.
يمكن ملاحظة ذلك بشكل عملي عند استنطاق محركات البحث أو بعض أدوات الذكاء الاصطناعي حول سير الصلحاء أو أعلام مناطق عريقة مثل دكالة. في كثير من الحالات، تكون الإجابات إما عامة جداً، أو تختلط فيها المعطيات، أو تُقدَّم بصيغة لا تعكس الخصوصية المحلية الدقيقة. أحياناً لا يكون الخطأ فادحاً، لكنه كافٍ لينتج فهماً مشوشاً.
المشكل هنا ليس في خطأ واحد، بل في تكرار نفس النمط: معلومات سطحية تُعاد بصيغ مختلفة، إلى أن تتحول تدريجياً إلى “معرفة رقمية” مقبولة.
تمثيل غير دقيق… لكنه مؤثر
الأمر لا يتوقف عند النصوص. في المحتوى البصري أيضاً، يمكن ملاحظة أن بعض أدوات توليد الصور تقدم تمثلات للتراث المغربي تمزج بين عناصر لا تنتمي إلى نفس السياق. النتيجة غالباً صورة “مقنعة بصرياً” لكنها غير دقيقة ثقافياً.
هذا النوع من التمثيل قد يبدو تفصيلا صغيراً، لكنه يكتسب أهمية عندما ندرك أن هذه الأدوات أصبحت مرجعاً سريعاً لعدد كبير من المستخدمين، خاصة الشباب.
ما بعد حماية المعطيات
لا يمكن إنكار أن المغرب قطع خطوات مهمة في تنظيم المجال الرقمي، خاصة مع صدور القانون رقم 09-08 المتعلق بحماية المعطيات الشخصية، والذي شكل إطاراً مهماً لتأطير استعمال البيانات.
غير أن الإشكال المطروح اليوم مختلف في طبيعته. لم يعد الأمر يتعلق فقط بحماية بيانات الأفراد، بل بكيفية تمثيل مجتمع كامل داخل أنظمة أصبحت تلعب دور “وسيط المعرفة”. وهنا يطرح سؤال أوسع: هل نملك ما يكفي من المحتوى والمرجعيات لنُقدَّم كما نحن، أم أن صورتنا تُبنى من خارجنا؟
أين يكمن الحل؟
لا يبدو أن الحل في رفض هذه التكنولوجيا، بل في التعامل معها بوعي استراتيجي حقيقي.
تجدر الإشارة إلى أن المحتوى العربي لا يتجاوز 1-2% من بيانات تدريب أبرز النماذج اللغوية الكبرى — وهو رقم يكشف حجم الفجوة التي نواجهها قبل أي نقاش آخر.
أولا، هناك حاجة ماسة إلى رقمنة الرصيد الوثائقي والتاريخي المغربي بشكل منهجي. والنموذج موجود: أطلقت تركيا مبادرات وطنية لبناء قواعد بيانات ثقافية باللغة التركية أتاحت لأنظمة الذكاء الاصطناعي تمثيلها بدقة أكبر. المغرب بما يملكه من رصيد حضاري في دكالة وسوس وفاس وغيرها، يستحق مساراً مشابهاً.
ثانياً، المسؤولية لا تقع على جهة واحدة. الجامعات والمراكز البحثية مدعوة إلى الانخراط في تطوير نماذج لغوية تراعي خصوصية الدارجة المغربية والأمازيغية. والمؤسسات الثقافية كالمكتبة الوطنية وأرشيفات الجماعات الترابية يمكنها أن تصبح روافد حقيقية لهذا المحتوى.
ثالثاً، لا يمكن إغفال دور المحتوى الرقمي اليومي. مقالة موثقة عن ولي صالح، تسجيل صوتي لرواية شفهية، صورة مُعنونة بدقة لموقع تاريخي، كل هذا يُراكم حضوراً رقمياً حقيقياً يغذي هذه الأنظمة على المدى البعيد.
في النهاية
الذكاء الاصطناعي لا يهدد الهوية المغربية بشكل مباشر، لكنه يضعها أمام امتحان دقيق: هل نحن حاضرون رقمياً بما يكفي لنُعرِّف أنفسنا بأنفسنا؟
الولي الصالح سيدي مسعود بن حسين، الذي بدأنا به هذا المقال، ليس مجرد مثال على ثغرة في قاعدة بيانات. هو رمز لكل ما لم يُكتب بعد، ولم يُرقَّم، ولم يُتَح للعالم. والسؤال الحقيقي ليس هل ستفهمنا الخوارزميات، بل هل سنمنحها ما يكفي لتفعل ذلك؟
التحدي إذن ليس تقنياً فحسب – بل هو في جوهره تحدٍّ ثقافي وحضاري. لأن من يملك إنتاج المعرفة الرقمية اليوم، يملك غداً جزءاً من القدرة على تعريف الآخر – أو على تعريف نفسه.






المشكل ماشي فـ AI، المشكل أننا ما عطيناهش باش يخدم. 1-2% محتوى عربي فالبيانات ديالو راه فضيحة ثقافية قبل ما تكون تقنية.شكراً على دق ناقوس الخطر. التحدي حضاري بالصح، ومن يتهاون اليوم، غادي يبكي على هويتو غداً.