
بقلم: المهدي طالب
قد يبدو الشرّ في آنٍ واحد أمرًا عبثيًّا، ومع ذلك يبدو مرتبطًا بعمق ببنية حالتنا الإنسانية نفسها. فمتى تحدّثنا عن الحياة، تحدّثنا عن الهشاشة؛ ومتى تحدّثنا عن الأمل، أدخلنا معه إمكانيّة الفقدان.
ولعلّ أوّل ما يُلاحَظ في هذا السياق هو أنّ إدراكنا للخير قائمٌ على التباين. فنحن لا نعرف النور إلا بوجود الظلمة، ولا ندرك الصحّة إلا بوجود المرض، ولا نُحسّ بقيمة السلام إلا لأنّ الحرب موجودة، ولا يتجلّى الأمل إلا لأنّ الخوف قائم. فلو لم يوجد النقص، لما وُجد الشوق ولا السعي. ولو لم توجد الهشاشة، لما احتجنا إلى الشجاعة. ولو غابت المظالم، لفقد مفهوم العدالة معناه ذاته. وقد كتب هيراقليطس منذ القدم أنّ «انسجام العالم يقوم على توتّر الأضداد». وكأنّ الوجود قد بُني على هذا التوتّر الدائم بين القوى المتقابلة.
غير أنّ هذه الفكرة لا تعني أنّ الشرّ “خير”. فالمعاناة تبقى حقيقةً واقعة. فالحرب تُدمّر الأرواح، والمنفى يُمزّق العائلات، والوحدة تلتهم الإنسان بصمت… ومع ذلك، كثيرًا ما تنبثق من المحنة تحوّلاتٌ داخلية عميقة. وقد كتب فريدريك نيتشه: «ما لا يقتلني يجعلني أقوى». وهذه العبارة لا تمجّد الألم، بل تُبرز قدرة الإنسان على أن يمنح معنىً لما بدا في البداية مجرّد خراب. فليس ما يُدمّر الإنسان حقًّا هو المعاناة وحدها، بل غياب المعنى في المعاناة. وما إن يظهر المعنى حتى تتغيّر طبيعة الألم. قد لا يختفي، لكنّه يتوقّف عن كونه عبثًا خالصًا. ولهذا تصبح بعض الجراح أحيانًا بدايةً لولادةٍ داخلية جديدة. فكثيرون لا يكتشفون حدودهم، ولا حاجتهم إلى الآخرين، ولا إنسانيتهم الحقيقية، إلا حين تنهار أوهام الاكتفاء الذاتي لديهم.
ويقودنا هذا التأمّل إلى فكرة أخرى: وهي أنّ فضائلنا كثيرًا ما تولد من مواجهتنا للشرّ. فالمغفرة لا معنى لها من دون خطأ، والصبر لا قيمة له من دون ابتلاء، والشجاعة تصبح غير مرئية في عالم لا يهدّد فيه شيء أحدًا… وربّما كان العالم المؤلَّف من الخير وحده قادرًا على إنتاج كائنات سعيدة، لكنّها ستكون على الأرجح كائنات سطحية، عاجزة عن العمق الأخلاقي. عندها سنصبح مخلوقات مبرمجة، لا ذواتًا حرّة واعية.
لكن هنا يبرز سؤال أكثر جذرية: هل كان من الممكن أصلًا وجود عالم بلا شرّ؟ وهل كان ذلك ممكنًا من الناحية الوجودية؟ منذ قرون، يرى بعض الفلاسفة أنّ العالم الذي نعيش فيه قد يكون العالم الوحيد المتّسق فعلًا مع وجود كائنات واعية وحرّة. وكان سبينوزا يؤكّد أنّ «الممكن العرضي لا مكان له في الواقع، بل الموجود هو الضروري وحده». أي إنّ العالم ليس حادثةً اعتباطية بين عدد لا نهائي من العوالم الممكنة، بل هو نتيجة ضرورية لنظام الوجود ذاته. ومن هذا المنظور، قد لا يكون ما نسمّيه “شرًّا” خللًا طارئًا على الواقع، بل عنصرًا لا ينفصل عن الحالة الإنسانية نفسها.
وتلتقي هذه الفكرة مع فلسفة لايبنتس حين تحدّث عن «أفضل العوالم الممكنة». وقد أُسيء فهم هذه العبارة كثيرًا، وكأنّها محاولة لتبرير المعاناة. لكنّ فكرته كانت أعمق من ذلك بكثير: فعالمٌ يخلو تمامًا من إمكانيّة الألم أو الفقدان أو النقص أو الفشل، قد لا يعود عالمًا إنسانيًّا أصلًا، بل عالمًا بلا صيرورة، ولا تاريخ، ولا حرّية حقيقية.
ذلك أنّ تصوّر عالم بلا شرّ قد يعني في النهاية تصوّر عالم بلا مستقبل. فالشرّ مرتبط بإمكانيّة الفقد، والفقد لا يكون إلا لأنّنا موجودون داخل الزمن. فالكائن الخالد، الخارج عن الزمن، لا يخشى شيئًا، ولا ينتظر شيئًا، ولا يمكنه أن يفقد شيئًا. إنّه يعيش في حاضر مطلق. أمّا الوجود الإنساني فهو على النقيض تمامًا: نحن كائنات مشدودة بين الذاكرة والانتظار، ونوجد لأنّنا نسير نحو مستقبل مجهول.
وعليه، فإنّ عالمًا منزوع الشرّ بالكامل قد يفترض أيضًا عالمًا بلا موت، ولا خطر، ولا جهل، بل وربّما بلا زمن حقيقي. لكن من دون زمن، لا يعود هناك تحوّل أو صيرورة؛ ومن دون صيرورة، لا يبقى أمل، ولا اختيار، ولا تطوّر داخلي. سنصبح سجناء لحاضرٍ أبديّ ثابت، بلا تاريخ شخصي، ولا مأساة، ولا تجاوز للذات. ومن هذا المنطلق، تبدو إمكانيّة الشرّ مرتبطة ارتباطًا لا ينفصل بإمكانيّة الزمن الإنساني ذاته.
وهنا تتدخّل مسألة الإرادة الحرّة. فبالنسبة إلى جان بول سارتر، «الوجود يسبق الماهية». فالإنسان ليس محدَّدًا بالكامل سلفًا، بل يبني ذاته من خلال اختياراته. صحيح أنّ قراراتنا مقيّدة بتاريخنا وبيولوجيتنا ومجتمعنا وظروفنا، لكن تبقى دائمًا مساحة من الحرّية. وهذه المساحة قد تكفي أحيانًا لتغيير حياة كاملة. فكلمة واحدة قد تُواسي أو تُهين، وقرار سياسي واحد قد ينقذ شعبًا أو يقوده إلى كارثة… وعظمة الإنسان تكمن تحديدًا في هذه القدرة على الاختيار.
ولولا هذه الحرّية، لما وُجدت مسؤولية أخلاقية ولا إنسانية حقيقية. فالعالم الذي يُمنَع فيه الشرّ قبل أن يظهر، قد يكون عالمًا بلا ألم، لكنّه سيكون أيضًا عالمًا بلا استحقاق، ولا اختيار، ولا وعي أخلاقي. ولهذا كان إيمانويل كانط يرى أنّ الأخلاق لا تكتسب قيمتها إلا لأنّها ثمرة اختيار حرّ.
والدماغ البشري ليس بنية عقلانية خالصة. فالدارات العصبية نفسها التي تساعد على البقاء قد تدفع أيضًا نحو العنف والسلوك التدميري. وتُظهر علوم الأعصاب أنّ البُنى المرتبطة بالاندفاعية تستجيب أسرع من المناطق القشرية المرتبطة بالحكم العقلي والتفكير الواعي. وكأنّ الصراع الأخلاقي منقوش حتى في هندستنا البيولوجية ذاتها.
لكن، إلى جانب التفسيرات النفسية والأخلاقية والبيولوجية، تبقى هناك مسألة أعمق: وهي السبب الأنطولوجي للخير والشرّ. لماذا يبدو وجودهما ضروريًّا لبنية الكينونة نفسها؟
قد يكمن الجواب في كوننا كائنات فانية. فالفناء يعني أن نكون موجودين داخل الزمن. والزمن الإنساني لا يقتصر على اللحظة الراهنة وحدها. وكما شرح أوغسطينوس، فإنّ الماضي يحيا في الذاكرة، والمستقبل يحيا في المشروع والتوقّع. لكن لا مشروع من دون أمل وخوف، كما لا أمل من دون خوف، ولا خوف من دون أمل. ومن يقول خوفًا، يقول خوفًا من شرّ؛ ومن يقول أملًا، يقول أملًا في خير. وهكذا يحمل كلّ مشروع إنساني في داخله، في الوقت نفسه، توقًا إلى الخير وخشيةً من الشرّ.
ومن ثمّ، يبدو أنّ المستقبل ذاته يقتضي تعايش الخير والشرّ. فلو استحال وقوع الشرّ، لانعدمت كلّ رهبة، وكلّ لايقين، وكلّ مخاطرة. ولو استحال الخير، لانعدم الأمل. ومن دون الأمل والخوف، لا تبقى هناك حركة نحو المستقبل. ومن دون مستقبل، ينهار معنى الزمن، ونصبح أسرى حاضر جامد لا يتحرّك. بهذا المعنى، يغدو الخير والشرّ شرطين أنطولوجيّين للزمن الإنساني نفسه. وبما أنّ الفناء يعني العيش داخل الزمن، فإنّ عالمًا يضمّ بشرًا فانون من دون خير أو شرّ يبدو أمرًا مستحيلًا.
سؤالٌ آخر يُطرَح كثيرًا، وبحقّ: لماذا يوجد أطفال مرضى؟ ولماذا يُقصف الأبرياء؟
لأنّ الخير والشرّ لا بدّ أن يكونا، بالضرورة لا منتهيين. فالخير والشرّ لا يمكن أن يكونا محدودين أو منتهيين تمامًا، لأنّهما لو أصبحا كذلك لأمكن السيطرة عليهما كليًّا. ولو استطاعت البشرية يومًا أن تُحيط بكلّ أشكال الشرّ معرفةً وتحكّمًا، لأصبح بالإمكان منعها جميعًا. وعندئذٍ سيختفي اللايقين نهائيًّا، ويصبح المستقبل قابلًا للتنبّؤ الكامل، ويتلاشى الأمل والخوف معًا، ويفقد الزمن توتّره الداخلي. حينها لن نعود كائنات تاريخية حقًّا، بل وجودات جامدة داخل أمنٍ مطلق لا حركة فيه.
وهكذا يبدو الشرّ مرتبطًا بالزمن والوعي، وبالحالة الإنسانية الفانية نفسها ارتباطًا لا ينفصل. لا لأنّه أمر مرغوب فيه، بل لأنّ كونًا يخلو من إمكانيّة الشرّ قد يكون أيضًا كونًا يخلو من الاختيار، والصيرورة، والأمل، وفي النهاية من الإنسانية الحقيقية.
المهدي طالب




