مجرد رأي

همزة وصل : الصحافة ليست مطية للسياسة.. والحقوق ليست ورقة لتصفية الحسابات

حين تختلط الصحافة بالحقوق… تضيع الحقيقة ويُستغل الحق

في المجتمع الحديث، تبرز الصحافة والعمل الحقوقي باعتبارهما مجالين أساسيين في حماية المجتمع وتعزيز الوعي وترسيخ قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، غير أن اختلاف طبيعة كل منهما لا يلغي وجود نقاط التقاء واسعة بينهما. فكلاهما يهتم بقضايا الناس، ويتابع الاختلالات، ويساهم في كشف مظاهر الظلم والتهميش، لكن لكل واحد منهما وظيفته وأدواته وحدوده المهنية والأخلاقية.

فالصحافة تقوم أساسًا على البحث عن المعلومة والتحقق منها ونقلها إلى الرأي العام، وهي مطالبة بأن تكون دقيقة ومتوازنة ومستقلة، وأن تمنح مختلف الأطراف حق التعبير، وأن تميز بوضوح بين الخبر والرأي والتحليل. فالصحفي لا يصدر حكمًا مسبقًا، وإنما يبحث عن الوقائع، ويتحقق من مصادرها، ويطرح الأسئلة، ويقدم للرأي العام معطيات تساعده على تكوين موقفه. ومن هنا تأتي أهمية الصحافة باعتبارها عين المجتمع التي تراقب ما يحدث، وتسلط الضوء على القضايا التي قد تحاول بعض الجهات إخفاءها أو تجاهلها.

أما العمل الحقوقي، فينطلق من الدفاع عن حقوق الإنسان وحمايتها ومناهضة الانتهاكات والترافع من أجل الضحايا والفئات الهشة. فالفاعل الحقوقي يمكن أن يرصد انتهاكًا، أو يستقبل شكاية، أو يواكب ضحية، أو يطالب مؤسسة بالتدخل، أو يقترح حلولًا وإصلاحات، أو يلجأ إلى الآليات القانونية والقضائية المتاحة. ولذلك فإن العمل الحقوقي ليس مجرد نقل للمعلومة، بل هو فعل مدني يقوم على موقف واضح من قضية حقوقية، وعلى الرغبة في تحقيق الإنصاف والحماية والعدالة.

وهنا يظهر الفرق الأساسي بين المجالين. فالصحفي يسأل: ماذا حدث؟ وما حقيقة ما وقع؟ ومن هي الأطراف المعنية؟ وما الأدلة والمعطيات المتوفرة؟ بينما يسأل الفاعل الحقوقي: هل هناك انتهاك لحق من الحقوق؟ ومن تضرر؟ وما المسؤولية المترتبة عن ذلك؟ وما الذي ينبغي القيام به لحماية الضحية وضمان عدم تكرار الانتهاك؟ ولذلك قد يتناول الصحفي قضية حقوقية من زاوية إعلامية ومهنية، في حين يتناولها الحقوقي من زاوية حقوقية وترافعية.

ومع ذلك، فإن الاختلاف في الأدوار لا يعني وجود قطيعة بين الطرفين. بل إن العلاقة بين الصحافة والعمل الحقوقي يمكن أن تكون علاقة تكامل حقيقية. فالصحافة تستطيع أن تمنح القضايا الحقوقية مساحة واسعة داخل المجتمع، وأن تنقل معاناة المواطنين إلى الرأي العام، وأن تفتح ملفات قد تظل مغلقة لولا التحقيق الصحفي. وفي المقابل، يمكن للجمعيات والمنظمات الحقوقية أن توفر للصحفيين معطيات ووثائق وشهادات ومعلومات ميدانية تساعدهم على فهم القضايا التي يحققون فيها.

لكن هذا التكامل يحتاج إلى احترام استقلالية كل طرف. فالصحفي ليس موظفًا لدى الجمعية، والحقوقي ليس مصدرًا وحيدًا للحقيقة. كما أن الجمعية الحقوقية لا ينبغي أن تتعامل مع الصحافة باعتبارها مجرد وسيلة للدعاية لأنشطتها، كما لا ينبغي للصحفي أن يحول المنبر الإعلامي إلى منصة لتبني مواقف جمعية أو شخص دون تحقق ومساءلة.

وتزداد خطورة الخلط بين الصحافة والعمل الحقوقي عندما تتحول القضايا العامة إلى أدوات لتصفية الحسابات الشخصية أو السياسية. فقد يستخدم شخص صفة الصحفي لشن حملات ضد خصومه، أو يستخدم آخر صفة الحقوقي لتبرير مواقف سياسية لا علاقة لها بالدفاع الحقيقي عن حقوق الإنسان. وفي الحالتين تكون النتيجة واحدة: ضرب الثقة في الصحافة والإساءة إلى العمل الحقوقي.

إن الصحافة المهنية لا تعني الحياد أمام الظلم، وإنما تعني الوصول إلى الحقيقة بوسائل مهنية نزيهة. والحقوقية الحقيقية لا تعني الدفاع عن الأشخاص بسبب انتماءاتهم، وإنما الدفاع عن الحقوق والمبادئ بصرف النظر عن هوية الضحية أو الجهة المسؤولة. فالقضية الحقوقية تفقد قيمتها عندما تصبح انتقائية، والصحافة تفقد مصداقيتها عندما تصبح منحازة لمصالح الأشخاص بدل الوقائع.

وتبقى المسؤولية الأخلاقية مشتركة بين الصحفي والفاعل الحقوقي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالأطفال والنساء وضحايا العنف والأشخاص في وضعية هشاشة. فليس من المقبول نشر صور الضحايا أو معلوماتهم الخاصة دون مراعاة كرامتهم ومصلحتهم، وليس من المقبول أيضًا استغلال معاناة الناس من أجل تحقيق شهرة أو مكاسب سياسية أو شخصية.

إن المجتمع في حاجة إلى صحافة قوية ومستقلة ومسؤولة، كما هو في حاجة إلى مجتمع مدني وحقوقي يقظ ومستقل. الصحافة تطرح الأسئلة وتبحث عن الحقيقة وتضع القضايا أمام الرأي العام، بينما يعمل الفاعل الحقوقي على الرصد والتوعية والترافع والدفاع عن الحقوق. وقد يلتقي الاثنان في قضية واحدة، لكنهما لا يقومان بالدور نفسه.

ولهذا فإن قوة المجتمع لا تكمن في أن تتحول الصحافة إلى عمل حقوقي، أو أن تتحول الجمعيات الحقوقية إلى مؤسسات إعلامية، وإنما في أن يحافظ كل طرف على استقلاليته ومهنيته، وأن يتعاون الطرفان عندما تكون المصلحة العامة وحقوق المواطنين هي الهدف.

فالصحافة الحرة تحتاج إلى مجتمع مدني قوي، والعمل الحقوقي يحتاج إلى إعلام مهني يسلط الضوء على القضايا العادلة، وكلاهما يحتاج إلى الاستقلال والنزاهة والشفافية. وعندما تتكامل هذه الأدوار بعيدًا عن التبعية والاستغلال السياسي والشخصي، يصبح الإعلام والعمل الحقوقي معًا قوة حقيقية للدفاع عن الإنسان، ومراقبة الاختلالات، وترسيخ ثقافة الحقوق والحريات، وبناء مجتمع أكثر وعيًا وعدلًا وإنصافًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى