مجرد رأي

همزة وصل :”في مدار السرّ”… حين تدور الحروف حول سرّ النور: قراءة في عوالم عبد الله بلعباس التشكيلية

قراءة تحليلية بصرية وجمالية للوحة المعروضة، انطلاقًا من عناصرها التشكيلية وما يُعرف عن تجربة عبد الله بلعباس التي تميل إلى الاختزال، والاشتغال على الإشارة والخط والبعد الشعري في اللوحة.

تستند هذه اللوحة إلى بناء بصري دائري تتخذ فيه الحركة الحلزونية موقع القلب النابض للعمل، حيث تنجذب العين منذ الوهلة الأولى نحو مركز غامض يشبه البؤرة أو النواة التي تتجمع حولها مختلف العناصر التشكيلية. ولا تبدو الدائرة هنا مجرد شكل هندسي أو عنصر زخرفي، بل تتحول إلى فضاء دلالي مفتوح يوحي بالحركة المستمرة والدوران اللامنتهي، وكأن الفنان يدعو المتلقي إلى رحلة تأملية تتجاوز حدود الرؤية المباشرة نحو البحث عن معنى خفي أو حقيقة متوارية خلف طبقات اللون والإشارة.

ويقوم البناء اللوني على تدرجات دقيقة تنتقل من البنفسجي الداكن عند الأطراف إلى الأصفر الذهبي والبيج في العمق، وهو انتقال لا يخلو من حمولة رمزية قوية. فالبنفسجي بما يحمله من إيحاءات مرتبطة بالغموض والتأمل والعمق الروحي، يتجاور مع الأصفر الذهبي الذي يرمز إلى الإشراق والكشف والنور، مما يخلق توتراً جمالياً بين العتمة والضياء، وبين الانغلاق والانفتاح، فيتحول اللون إلى لغة موازية تسهم في إنتاج المعنى وإثراء التجربة البصرية.

وفي قلب هذا المدار التشكيلي يحضر الخط العربي بوصفه عنصراً بنائياً لا يقل أهمية عن اللون أو الحركة. فالحروف لا تؤدي هنا وظيفة لغوية مباشرة، ولا تُستدعى من أجل القراءة النصية فحسب، بل تتحول إلى كتل بصرية وإيقاعات خطية تندمج في النسيج العام للعمل. تتقوس الحروف مع المسار الحلزوني وتتماهى مع حركته حتى تكاد تفقد حدودها التقليدية، لتصبح أقرب إلى نغم بصري أو همس داخلي يتردد صداه في فضاء اللوحة. وبهذا المعنى يغدو الخط مادة تشكيلية خالصة تسهم في بناء الإيقاع والحركة وتمنح العمل بعداً شعرياً وتأملياً عميقاً.

وتنبعث من اللوحة أصداء روحية وصوفية واضحة، إذ لطالما ارتبطت الدائرة في المخيال الإنساني بمعاني الوحدة والكمال واللانهاية. ومن ثم تبدو الحركة الحلزونية وكأنها دوران رمزي حول مركز متعالٍ أو حقيقة غائبة تستعصي على القبض النهائي. أما المركز الداكن فيمكن النظر إليه باعتباره نقطة الأصل أو جوهر الذات أو السر الذي تدور حوله الألوان والحروف دون أن تفصح عنه بشكل مباشر، مما يضفي على العمل طابعاً تأملياً يجعل المشاهدة تجربة وجدانية أكثر منها عملية إدراك بصري عابر.

ورغم ما يبدو على سطح اللوحة من حرية في حركة الفرشاة وعفوية في بناء الأثر اللوني، فإن المتأمل يكتشف وجود تحكم دقيق في توزيع الكتل وتوجيه المسار البصري. فالفنان يمنح للحركة حريتها التعبيرية لكنه يوجهها في الآن ذاته نحو مركز دلالي محدد، وهو ما يعكس قدرة على الموازنة بين التلقائية والبناء الواعي. وتعد هذه السمة من أبرز ملامح التجربة التشكيلية لعبد الله بلعباس، حيث يتحول الاختزال إلى أداة تعبيرية كثيفة، وتصبح الإشارة البسيطة حاملة لشبكة واسعة من المعاني والإحالات.

إن اللوحة لا تقدم موضوعاً جاهزاً أو سرداً بصرياً مباشراً، بل تفتح المجال أمام المتلقي للمشاركة في إنتاج المعنى من خلال التأويل والتأمل. فهي فضاء تتعانق فيه الكتابة مع الرسم، ويتداخل فيه اللون مع الحركة، ويصبح الشكل مجرد مدخل نحو أفق أرحب من الأسئلة الوجودية والروحية. ومن هذا المنطلق يمكن اعتبارها تجربة تشكيلية تنتمي إلى ما يمكن تسميته بـ”جمالية الإشارة”، حيث لا تكمن قيمة العمل فيما يصرح به، بل فيما يلمح إليه ويتركه معلقاً في فضاء التأويل.

إنها ليست دائرة لونية فحسب، بل مدار من المعاني والرموز، تدور فيه الحروف كما تدور الأسئلة الكبرى حول مركز يظل عصياً على الامتلاك الكامل، فلا يُدرك إلا بالحدس، ولا يُلامس إلا بالإشارة، لتتحول اللوحة إلى نص بصري مفتوح على الشعر والتأمل والبحث الدائم عن جوهر الأشياء.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى