هندسة “الإزاحة الجيوبوليتيكية” ما بين هرمز ورأس الرجاء الصالح.. قراءة تاريخية سياسية
من مضيق هرمز إلى رأس الرجاء الصالح: جغرافيا الهيمنة وإعادة رسم خرائط القوة

بقلم: د. عبداللطيف مشرف
أستاذ مساعد التاريخ السياسي – جامعة ماردين آرتوكلو
مقدمة : الجغرافيا كمتغير تابع للهندسة اللوجستية.
من خنق هرمز إلى ريادة حيفا: قراءة في تفتيت الجغرافيا الإسلامية وإعادة إنتاج “رأس الرجاء الصالح”:
في فلسفة التاريخ السياسي، ليست الجغرافيا قدراً ثابتاً، بل هي ميزة تنافسية تخضع لعمليات “صناعة” و”تدمير” مستمرة وفقاً لموازين القوى. إن المشهد المعاصر للشرق الأوسط لا يمكن فهمه بمعزل عن صراع “الممرات” الكبرى، حيث تسعى القوى المهيمنة (الولايات المتحدة وإسرائيل) إلى تنفيذ عملية إزاحة جيوبوليتيكية (Geopolitical Displacement) شاملة. تهدف هذه العملية إلى تحويل مضيق هرمز من رئة استراتيجية وورقة ضغط بيد القوى الإقليمية إلى “فخ جغرافي” يستوجب الاستغناء عنه، لصالح مسارات هجينة (سيبرانية-سككية-بحرية) تضع إسرائيل في قلب القيادة اللوجستية العالمية، مما يؤدي بالضرورة إلى تفتيت الكتلة الجغرافية الإسلامية وإخضاعها لمنطق “التبعية اللوجستية”.
أولاً: التأصيل النظري.. بين الواقعية “الصلبة” والبنائية “الوظيفية”:
لقراءة هذا التحول، نرتكز على مدرستين أساسيتين في العلاقات الدولية:
المدرسة الواقعية الهجومية (Offensive Realism): حيث يُنظر إلى “ممر الهند-أوروبا” (IMEC) و”طريق التنمية” كأدوات “إعادة توازن”. تسعى واشنطن عبر “شل” الميزة الجغرافية لهرمز إلى تجريد خصومها من “حق الفيتو” على إمدادات الطاقة. هنا، تُستخدم الجغرافيا كلاحقة للقوة المادية؛ فالممر الذي لا تستطيع السيطرة عليه عسكرياً، تسعى لقتله اقتصادياً عبر الالتفاف عليه.
المدرسة البنائية (Constructivism): تبرز من خلال عملية “أمننة الممرات” (Securitization). يتم “بناء” تصور ذهني دولي يربط بين المضائق التقليدية (هرمز، باب المندب) وبين “اللا استقرار والتهديد الإرهابي”، مقابل تصوير الممرات الجديدة (المدعومة إسرائيلياً) كمسارات “خضراء وآمنة ومستقرة”. هذا البناء المعرفي يشرعن التدخلات الدولية لحماية المسارات الجديدة وتهميش القديمة.
ثانياً: المرآة التاريخية.. هل نعيش “لحظة فاسكو دي جاما” جديدة؟
ثمة تماثل بنيوي مذهل بين ما يخطط له اليوم وما حدث في القرن الخامس عشر. حينما اكتشف البرتغاليون طريق “رأس الرجاء الصالح” عام 1498، كانت “عملية جراحية” لاستئصال الهيمنة الاقتصادية للدولة المملوكية والعثمانية.
الخنق الجيو-اقتصادي: كان المماليك يسيطرون على عصب العالم عبر “الوساطة التجارية”. اكتشاف البديل البرتغالي أدى إلى “تفريغ” الجغرافيا الإسلامية من قيمتها المضافة.
الصدام العسكري والانهيار المالي: لم تكتفِ البرتغال بالطريق الجديد، بل خاضت معارك بحرية (مثل معركة ديو 1509) لقطع طرق التجارة التقليدية. النتيجة كانت جفاف خزائن القاهرة ودمشق، مما مهد للسقوط السياسي تحت وطأة الأزمات الاقتصادية الخانقة. اليوم، يتم استحضار ذات التكتيك؛ تحويل هرمز إلى “منطقة خطر” هو الذريعة المثالية لفرض ممر (IMEC) كـ “رأس رجاء صالح” عصري يتجاوز الجغرافيا الإسلامية التقليدية ويصيبها بالشلل.
ثالثاً: استراتيجية “الشلل الجغرافي” ومركزية “الوسيط الإسرائيلي”:
تعمل واشنطن وتل أبيب على استغلال التوترات الإقليمية لتحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى:
نزع الصبغة الاستراتيجية عن هرمز: عبر تصوير إغلاق المضيق كـ “فعل محلي” يؤثر على إيران وجيرانها فقط، وليس كأزمة طاقة عالمية. توفر البدائل اللوجستية يجعل التهديد الإيراني “سلاحاً غير ذي حدين” (Blunt Weapon).
إسرائيل كـ “مفتاح الربط”: في مشروع (IMEC)، يتحول ميناء حيفا إلى الرابط الإلزامي بين قارة آسيا وأوروبا. هذا لا يمنح إسرائيل شرعية سياسية فحسب، بل يجعل أمنها جزءاً من “الأمن القومي الاقتصادي” للهند وأوروبا وأمريكا، مما يفرض “تطبيعاً بنيوياً” لا يمكن الفكاك منه.
رابعاً: صراع الممرات.. (IMEC) في مواجهة “الحزام والطريق” الصيني:
لا يمكن فهم الاندفاع الأمريكي نحو هذه الممرات بمعزل عن الصراع مع الصين.
تطويق “التنين”: تسعى واشنطن لقطع الطريق على مبادرة “الحزام والطريق” (BRI) التي تعتمد بشكل كبير على الممرات التقليدية والاستثمارات في الموانئ الباكستانية والإيرانية.
خلق بديل “ليبرالي”: يُسوق ممر (IMEC) كبديل تقوده “الديمقراطيات” (الهند، أوروبا، إسرائيل)، مما يضع الجغرافيا الإسلامية في أتون صراع دولي يُجبرها على اختيار معسكرات لوجستية متنافسة، مما يعمق حالة التفتيت السياسي والتبعية الاقتصادية للقوى الكبرى.
خامساً: التداعيات القانونية والسيادية.. “خصخصة” الأمن الدولي
هناك تحول خطير في المفاهيم القانونية الدولية للملاحة:
من “الممر الدولي” إلى “الممر المخصص”: الممرات التقليدية تخضع لقانون البحار الدولي، بينما الممرات الجديدة (السككية والبحرية الهجينة) تخضع لاتفاقيات ثنائية ومتعددة الأطراف تهيمن عليها إسرائيل وأمريكا.
تآكل السيادة: تدويل أمن هذه الممرات يعني أن السيادة الوطنية للدول التي تمر عبرها السكك الحديدية أو الأنابيب تصبح سيادة منقوصة، حيث تُمنح القوى الكبرى حق التدخل لحماية “انسياب التجارة العالمية”، وهو ما يذكرنا بـ “الامتيازات الأجنبية” التي أضعفت الدولة العثمانية قبل سقوطها.
سادساً: تفتيت الجغرافيا الإسلامية وصناعة “الأزمات الهيكلية”:
إن أخطر نتائج هذه الهندسة اللوجستية هي “التفتيت الوظيفي”:
ضرب الوحدة الجيوسياسية: بدلاً من كتلة جغرافية تمتلك مفاتيح البحار، يتم تحويل المنطقة إلى “جيوب معزولة” تتنافس فيما بينها لخطب ود الممرات الجديدة.
الأزمات الاقتصادية المفتعلة: فقدان ريع الجغرافيا سيؤدي إلى انهيار العملات المحلية في دول مثل مصر (تأثر القناة) والعراق وإيران، مما يمهد لـ “انفجارات اجتماعية” تنهك الدولة من الداخل وتجعلها في حالة انشغال دائم بالبقاء لا بالنهوض.
التبعية الأمنية: سيتم شرعنة القواعد العسكرية الأجنبية على طول هذه المسارات، وهو استعمار بصيغة لوجستية حديثة تجعل الجغرافيا الإسلامية مجرد “مساحة عبور” فاقدة للقرار.
سابعاً: الاستنتاجات.. الجغرافيا كضحية للابتكار الاستعماري
إننا أمام مشهد يعيد إنتاج التاريخ بذكاء تكنولوجي فائق. فكما حطم “البارود والبوصلة” البرتغالية احتكار المماليك، يحطم “الربط السككي والذكاء الاصطناعي” الإسرائيلي-الأمريكي ميزة هرمز وقناة السويس. الهدف النهائي هو فرض واقع سياسي تكون فيه الجغرافيا الإسلامية “أرضاً محبوسة” اقتصادياً، ومنزوعة القيمة الاستراتيجية، ومجبرة على الانصياع لإرادة المركز اللوجستي في تل أبيب.
ختامًا …نحو “رؤية مضادة” لإنقاذ الجغرافيا: إن مواجهة هذا المخطط لا تتم بالانكفاء على الجغرافيا القديمة، بل بضرورة خلق “تكامل لوجستي إسلامي-إقليمي” مستقل (مثل تفعيل ممر التنمية العراقي-التركي برؤية استراتيجية مشتركة) يعيد الاعتبار لعمق المنطقة كقوة ربط ذاتية لا كأداة في يد القوى الكبرى. إن التاريخ لا يرحم من يفرط في “شرايين حياته”، ودروس المماليك والعثمانيين ما زالت شاخصة؛ فمن لا يملك طريقه، لا يملك قراره.





