
مسرور المراكشي :
تمهيد :
الحب من المشاعر الإنسانية النبيلة، لكن قد يتحول إلى مصيبة في بعض الأحيان،
قال الشاعر الكبير الأصمعي مقولته الشهيرة : ( ..ومن الحب ما قتل..)، وأنا أضيف ما أحرق و أهلك و أدخل جهنم، مصدقا لقوله تعالى : ( .. إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ…)، تأملوا معي جيدا كلمة يحبون، لم يقل جل من قائل يفعلون الفاحشة، فقط مجرد حبهم أن تشيع الفاحشة و تتفشى و تنتشر، والحب هنا عمل قلبي خالص ومع ذلك له نفس عقاب من فعلها، فما بالك بعمل اليد عند رفعها للمصادقة على قانون، أو مداخلة باللسان يدافع فيها صاحبها عن الحرية في ممارسة الفاحشة، وهذا تحذير موجه كذلك لمن يشرع في البرلمان لقوانين تسهل فعل الفاحشة، وفي هذا السياق نذكركم ياسادة بتبنى وزير العدل منذ 2021، توجهاً حداثياً يثير جدلاً واسعاً بشأن الحريات الفردية، معتبراً إياها مصلحة وطنية لا تتعارض مع روح الدين، كما يركز هذا الوزير على مراجعة شاملة للقانون الجنائي، بما في ذلك نقاش إلغاء الفصل 490 الذي يجرم العلاقات الرضائية، و ملاءمة القوانين المغربية مع المواثيق الدولية، كما اعتبر طلب الفنادق لعقد الزواج أمرا غير قانوني، ناهيك عن جيش النسوانيات ومن يدور في فلكهن، من متطرفي اليسار و العلمانيين عند هجومهم على ثوابت دين الإسلام، هذا فقط غيض من فيض ولسان حال الشعب المغربي يردد مع ناس الغيوان : ( …فين غادي بيا خويا فين غادي بيا…)..
_ وزير “مقدس” و ملك محترم فقط..!!، افهم اتسطا..
بعد رفع صفة القداسة عن شخص الملك في التعديل الدستوري لـ2011، ليصبح بعد التعديل : “شخص الملك لا تنتهك حرمته، و للملك واجب التوقير والاحترام”، ورفع صفة القداسة عن شخص الملك، جاء بعد انخراط الشعب المغربي في انتفاضة الربيع الدموقراطي، لكن المفارقة الطريفة هي انتقال هذه القداسة إلى “مولاي” الوزير، حيث قام هذا الأخير بجر العديد من الصحفيين إلى مقصلة القضاء، و هدد الباقين بنفس المصير إن هم تجرؤوا على نقده، حيث شهد المغرب خلال الفترة الممتدة بين 2024 و2025 عدة قضايا رفعتها وزارة العدل، ممثلة في الوزير عبد اللطيف وهبي، ضد صحفيين و مديرين لمواقع إلكترونية، بتهم تتعلق بالقذف، التشهير، ونشر أخبار زائفة حسب موقع hespress، إنه شيء مضحك فعلا أن يصبح شخص الملك الذي كان يوما ما مقدسا محترما فقط، ثم يغدو شخص الوزير الذي كان محترما فقط “مقدسا”، لقد سخر هذا الأخير من السنة عندما قال : ( .. نطلب إذن من الشيطان بطاقته الوطنية ليشهد …)، أما عن القرآن فقد قال في مسألة “معادلة شهادة امرأتين بشهادة رجل واحد”، و اصفاً إياها بأنها تنتمي إلى “منطق القرون الوسطى”، ولا من يجرؤ على لجمه أو إيقافه عند حده، لهذا أعتبره” سوبر” وزير له حصانة القبة الحديدية، التي تحميه من النقد و المحاكمة مهما قال أو فعل، في المقابل هناك نقد لاذع و تجريح بلا ضوابط أخلاقية لشخص الملك، كلام فاحش يقال في حقه أستحي أن أذكره، والسؤال إذن هل نحن فعلا نعيش ثورة حقيقية في حرية التعبير…؟ بحيث يمكن سب و شتم شخص الملك و القذف في عرضه، دون خوف من الاعتقال أو المتابعات القضائية، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون أحد مخططات ( الفوضى الخلاقة)، كما قالت وزيرة الخارجية الأمريكية ( كونداليزا رايس)، أو بصيغة أوضح حرية موجهة لكن في اتجاه واحد…
_ أعتبر أن حرية التعبير هذه مزيفة و تشبه المنشطات”الدوباج” :
إن الحرية الحقيقة هي مطلب الشعوب الحية، و مبتغى المناضلين الشرفاء الذين قدموا دماءهم بسخاء من أجل نيلها، لكن اليوم
عندما تتابع ما ينشر ويقال عن ملك البلاد، يخيل إليك أننا فعلا بلغنا شأنا كبيرا في حرية التعبير، حيث لم يعد شخص الملك مقدسا و مهاب الجانب،
و لتعلموا درجة تدني مستوى التوقير و الإحترام لشخص الملك في 2026، عودوا إلى بدايات تسعينات القرن الماضي، عندما كانت وزارة الداخلية في عهد البصري تلقب بـ( أم الوزارات)، أظن سنة 1993حيث كتب أحد نشطاء الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، بيان علقه في السبورة النقابية لكلية الأدب بمراكش، و وقعه باسمه الشخصي و ليس فيه كلام ساقط، بل مجرد نقد سياسي للنظام المغربي، ومع ذلك تم اعتقاله و متابعته جنائيا بتهمة إهانة المقدسات، أما اليوم فحدث و لا حرج، فهناك عشرات المواقع تنشر فيديوهات على مدار الساعة، كلها سب و شتم في شخص الملك و تهم أخلاقية خطيرة، ولا من يحرك ساكنا حتى إدارة الفيسبوك و اليوتوب تجدها متواطئة، و التي كانت تتدخل لضرب مواقع و حسابات شخصية، لأتفه الأسباب عندما يتعلق الأمر بانتقاد الكيان الصهيوني، نجدها اليوم صامتة تغض الطرف عن هذه المواقع المشبوهة، هنا يا سادة يتجلى بوضوح التدخل الخارجي، إن سعي الإستعمار الغربي الصهيوني إلى احتلال البلاد لم يتوقف، حيث وضع خطة متكاملة لتفكيك الدولة المغربية، وهي كالتالي : ـ الخطوة الأولى في احتلال البلاد هي ضرب وحدة المغاربة، وذلك بإسقاط الهيبة عن منصب الملك وخاصة إمارة المؤمنين، ثم تليها الخطوة الثانية : وهي مهاجمة دين الإسلام، وذلك بالسخرية من السنة كما فعل “السوبر” وزير، و هاجم أيضا القرآن واعتبر آية الشهادة من مخلفات القرون الوسطى، إضافة إلى تشكيك بعض” المفكرين “في روايات أبو هريرة و كتاب صحيح البخاري…، ثم تأتي الخطوة الثالثة كتتويج لما سبق من خطوات، و التي تتمثل في تشجيع النزعات الانفصالية في أفق تمزيق وحدة البلاد، عندها تكون طبخة الاحتلال الصهيوني قد استوت، ولم يتبق إلا قدوم جيش “المغضوب عليهم” يؤازره جيش “الضالين”، و يسدل الستار عندئذ عن شيء اسمه المملكة المغربية الشريفة إلى الأبد…..
خلاصة :
إن الحرية التي يسعى المناضل إلى تحقيقها ياسادة، ليست هي حرية السب و الشتم و اتهام ملك البلاد في عرضه، ولا الجهر علانية بممارسة الشذوذ و الإفطار في نهار رمضان، هذا تحريف للصراع من أجل نيل حرية حقيقية، هذه الأخيرة التي ضحى من أجلها المناضلون الشرفاء، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من لازال في
السجون و المنافي، إن الشعب المغربي يطالب بالحرية لكل المعتقلين السياسيين، وعلى رأسهم الزفزافي و المحامي زيان، ولكل من ناضل بشكل سلمي مطالبا بحقوقه المشروعة، في السكن اللائق والتطبيب والتعليم الجيد والشغل والكرامة…، يجب المصادقة على مشروع قانون ( تجريم الإثراء غير المشروع) فورا، ثم توسيع صلاحيات البرلمان في مراقبة ثروات البلاد، مثلا شركة الفوسفات يجب ألا تبقى خارج المساءلة و التدقيق في ميزانتها، و مناجم الذهب والفضة وأن لا يبقى هناك صناديق سوداء، إضافة إلى حرية التظاهر السلمي في كل الوطن، وأن يتم إلغاء خطة تسديد التبليغ، وعودة الحرية لمنابر الجمعة، وأن تكون الصحافة حرة وتمثل بصدق السلطة الرابعة، وأن تزول ساعة القهر والعودة للساعة القانونية…. هذه الحرية التي نريد وغير ذلك فهو تزييف الوعي الشعبي، و تحريف و ضحك على الذقون، ماذا يستفيد الشعب من حرية سب و شتم شخص الملك، و إعلان الشذوذ والإفطار في رمضان والجهر بالإلحاد…؟ اللهم احفظ البلاد من كيد الأعادي..





