24 ساعةأخبار وطنيةالواجهةمجرد رأي

وادي زم: مدينة “الشهداء” التي هزمت الاستعمار وخذلها قطار التنمية

تحتل مدينة وادي زم مكانة استثنائية في الذاكرة التاريخية والوطنية للمغرب، فهي المدينة التي ارتبط اسمها بلقب “مدينة الشهداء” و”مهد المقاومة”، نظير الدور البطولي الذي لعبته في مواجهة الاستعمار الفرنسي، ولا سيما خلال انتفاضة 20 غشت 1955 الشهيرة. هذه المحطة التاريخية لم تكن مجرد رد فعل عابر، بل كانت شرارة حاسمة زعزعت أركان الإقامة العامة الفرنسية وعجلت بعودة الملك الشرعي محمد الخامس من المنفى ونيل الاستقلال. إلا أن هذا الرصيد النضالي التاريخي والجهد الهائل الذي بذلته المدينة في دحر المستعمر، يضعها اليوم أمام مساءلة وقراءة نقدية لواقعها التنموي والاقتصادي، لبحث ما إذا كانت التنمية الميدانية قد كافأت هذا الإرث البطولي، أم أن المدينة ظلت أسيرة تهميش مركب امتد لعقود.

​عند تتبع المسار التنموي لمدينة وادي زم بعيد الاستقلال، يلاحظ المتتبع نوعا من المفارقة الصارخة بين القيمة الرمزية للمدينة وواقعها على الأرض. فبالرغم من أن المنطقة تقع في قلب إقليم خريبكة، الذي يضم أكبر احتياطيات الفوسفاط في العالم ويعتبر عصب الاقتصاد الوطني، إلا أن انعكاس هذه الثروة الاستخراجية على البنية التحتية والنسيج الاجتماعي للمدينة ظل محدودا للغاية. لقد عانت المدينة لفترات طويلة من غياب الرؤية التنموية الشاملة، واقتصرت المشاريع التنموية فيها على مبادرات محتشمة لم تستطع استيعاب النمو الديمغرافي المتزايد، أو خلق فرص عمل حقيقية لشباب المنطقة، مما جعل الهجرة، سواء نحو المدن الكبرى أو إلى خارج أرض الوطن، الخيار السائد والوحيد للكثير من أبنائها.

​إن ضعف التنمية الاقتصادية في وادي زم يتجلى بوضوح في غياب نسيج صناعي قوي وقادر على خلق القيمة المضافة، رغم قربها من مصادر المواد الأولية كالفوسفاط. وظلت الأنشطة الاقتصادية السائدة ترتكز على التجارة المعيشية والخدمات البسيطة والفلاحة التقليدية التي تتأثر بشكل مباشر بالتغيرات المناخية وتوالي سنوات الجفاف. هذا الوضع أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة، خاصة في صفوف حاملي الشهادات من الشباب، وتسبب في ركود اقتصادي محلي جعل المدينة تبدو في كثير من الأحيان وكأنها “مدينة عبور” بين الأقطاب الاقتصادية الكبرى، وليست مركزا جاذبا للاستثمارات والمشاريع المهيكلة التي تستحقها كحاضرة أسهمت بدماء أبنائها في حرية الوطن.

​أما على مستوى البنية التحتية والخدمات الاجتماعية، فإن الفجوة تزداد وضوحا؛ إذ تشكو المدينة من نقص في المرافق الصحية المتطورة، مما يضطر الساكنة المحلية إلى التنقل نحو مدن أخرى مثل خريبكة أو الدار البيضاء لتلقي العلاجات الضرورية المعقدة. كما أن العرض الثقافي والترفيهي والرياضي لا يزال دون تطلعات الطاقات الشابة الهائلة التي تزخر بها المنطقة. ورغم الجهود التي بذلت في السنوات الأخيرة لإعادة تأهيل بعض الشوارع والمساحات الخضراء، وتحسين شبكات الربط بالماء والكهرباء والتطهير السائل، إلا أن هذه الخطوات تظل بمثابة ترقيعات موضعية لا ترقى إلى إحداث طفرة تنموية حقيقية تغير معالم المدينة وتنتشلها من رتابتها التنموية.
​في السنوات الأخيرة، بدأ الوعي يزداد بضرورة إنصاف هذه القلعة المناضلة، وظهرت بعض المؤشرات الإيجابية من خلال تفعيل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وإدراج المدينة في بعض خطط التنمية الجهوية لجهة بني ملال خنيفرة. وثمة محاولات اليوم لربط المدينة بشبكات الطرق السيارة وتثمين موقعها الجغرافي كعقدة مواصلات بين السهول الساحلية والمناطق الداخلية للمملكة. غير أن هذه الدينامية الجديدة لا تزال في بداياتها وتصطدم بإكراهات التمويل، وبطء المساطر الإدارية، فضلا عن الحاجة إلى نخب محلية قادرة على الترافع القوي من أجل جلب الاستثمارات الكبرى وخلق بدائل اقتصادية مستدامة تتجاوز الاعتماد الكلي على ريع الوظائف المرتبطة بقطاع الفوسفاط.

​تأسيسا على ذلك، يمكن القول إن مدينة وادي زم لم تأخذ بعد حقها الكامل في التنمية الذي يوازي تضحياتها الجسام وردعها للاستعمار. إن إنصاف المدينة تاريخيا يقتضي بالضرورة إنصافها مجاليا واقتصاديا واجتماعيا، وتحويل رصيدها الرمزي إلى قوة دافعة لمشاريع تنموية ملموسة تعيد الاعتبار لساكنتها وتضمن لأجيالها الصاعدة العيش الكريم في مدينة يفخرون بماضيها ويتطلعون بثقة إلى مستقبلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى