واقعة هتك عرض قاصر

صلاح شانع يكتب :
قراءة سوسيولوجية-شرعية في خلفيات الانحراف وآليات الوقاية
شكلت جريمة هتك عرض القاصر التي ارتكبت عقب موسم مولاي عبد الله أمغار صدمة قوية للرأي العام المغربي، ليس فقط لبشاعة تفاصيلها، ولكن لما أبانت عنه من هشاشة في النسيج الاجتماعي والتربوي والقانوني المحيط بالطفولة. وغالبا ما يتناول مثل هذا الحدث بخطاب انفعالي أو تجزيئي يفتقد إلى النظرة الكلية المبنية على معطيات علمية دقيقة.
تهدف هذه التدوينة إلى مقاربة الحادثة من زاوية تكاملية توفق بين التحليل السوسيولوجي الذي يكشف سياقاتها البنيوية والثقافية، والقراءة الشرعية التي توفر منظومة قيمية وتشريعية لحماية الإنسان وصيانة كرامته، وذلك سعيا إلى صياغة رؤية عملية للوقاية والمعالجة.
أولا: الإطار القانوني والشرعي لمسؤولية القاصر
ينظر التشريع المغربي إلى القاصر بصفته غير مكتمل الأهلية إلى حين بلوغه 18 سنة، وهو ما يفتح المجال أحيانا لاستفادة مرتكبي جرائم خطيرة من ظروف تخفيفية. في المقابل، يربط الشرع الإسلامي المسؤولية الجنائية بالبلوغ والعقل، كما ورد في الحديث النبوي: «رُفِع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل» (أبو داود، 4398).
وتؤكد الشريعة على حماية الكليات الخمس (الدين، النفس، العقل، النسل، المال) كما قررها الإمام الشاطبي في ، وهو ما يفرض مراجعة التشريعات الوضعية في ضوء مقاصد الشريعة بما يحقق العدالة والردع ويحفظ الكرامة الإنسانية.
ثانيا: العوامل الثقافية والإعلامية المنتجة للانحراف
تبرز القراءة السوسيولوجية أن الحادثة ليست مجرد سلوك فردي، بل انعكاس لثقافة استهلاكية متنامية تغذيها المهرجانات والمنتجات الفنية السطحية، وتعيد تشكيل وعي زائف يختزل الإنسان في جسده وشهواته، كما أشار إلى ذلك مفكرو مدرسة فرانكفورت (أدورنو وهوركهايمر، جدل التنوير)
أما في السياق المغربي، فقد ساهم انتشار المحتويات الرقمية التافهة وضعف الرقابة الأسرية المؤسساتية على الفضاء الإلكتروني في خلق ما يشبه “التسليع الجنسي”، وهو ما يتقاطع مع تحليل إميل دوركايم في كتابه الانتحار (1897)، حيث ربط الانحراف بضعف الضوابط الاجتماعية وانهيار سلطة القيم.
ثالثا: البعد الأسري والاجتماعي
تظهر الدراسات السوسيولوجية أن غياب الأب أو ضعف حضوره التربوي من أبرز أسباب هشاشة التنشئة الاجتماعية. وقد بين بيير بورديو في إعادة الإنتاج (1970) أن العائلة تظل الوسيط الأول في نقل الرأسمال القيمي والثقافي. وإذا انشغلت الأم بتأمين الحاجيات المادية دون دعم مؤسسي كاف، صار الطفل عرضة لتأثير الشارع ورفاق السوء، خصوصا في حالة اليتم، وهي الحالة موضوع النقاش عطي الإسلام لهذه الفئة عناية خاصة، حيث قال النبي ﷺ: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا» (البخاري، 5304)، بما يجعل رعاية الأرامل والأيتام مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، تضمن للأسرة القيام بوظيفتها التربوية.
رابعا: أزمة القيم والتربية الدينية
أسهم تقليص مادة التربية الإسلامية في المناهج التعليمية وضعف حضورها المؤسسي في خلق فراغ قيمي لدى الأجيال الصاعدة. وقد أثبتت أبحاث التربية الأخلاقية، مثل أبحاث كولبرغ (مقالات في تطور الأخلاق، 1981)، أن غياب التنشئة على القيم العليا يفتح المجال أمام السلوكيات المنحرفة.
أما المرجعية الإسلامية فتعتبر أن البناء الحضاري لا يكتمل إلا بالهداية القرآنية: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (الإسراء: 9). ومن ثم، فإن إعادة الاعتبار للتربية الإسلامية بأساليب حديثة تراعي اهتمامات الشباب، يعد شرطا أساسيا للتحصين القيمي.
ختاما:
تكشف الواقعة عن تداخل عوامل قانونية وثقافية واجتماعية وتربوية أنتجت انحرافا مقلقا. والمعالجة الناجعة تقتضي مقاربة شمولية تقوم على:
مراجعة التشريعات بما يوازن بين مقاصد الشريعة وخصوصية السياق الوطني.
بناء بدائل ثقافية وإعلامية راشدة تقدم فنا جادا يحصن الوجدان.
تعزيز التربية الدينية والأخلاقية بطرق تربوية حديثة.
دعم الأسر الهشة والأيتام بسياسات اجتماعية عادلة تحفظ الوظيفة التربوية للأسرة.
إشراك العلماء والمربين والإعلاميين في مشروع وطني متكامل لحماية الطفولة من الانحراف.





