واقع وتحديات كتابة السيناريو وتأثيرها على جودة الإنتاج السينمائي بالمغرب

في إطار أنشطة مهرجان الأندية السينمائية الذي نظمته الجامعة الوطنية للأندية السينمائية بالمغرب بشراكة مع الأكاديمية الجهوية للتربية الوطنية والرياضة لجهة الرباط–سلا–القنيطرة، يومي 16 و17 فبراير 2026، انعقدت ندوة حول كتابة السيناريو والتحديات التي تواجه هذه المهنة في سياق واقع يعترف بوجودها بشكل محتشم، ومدى تأثير هذه الوضعية على جودة الإبداع الدرامي بمختلف أنواعه في المغرب.
شارك في هذه الندوة كل من محمد حافضي والحسين شاني وعبد الالاه زيرات وسير أشغالها عضو المكتب الجامعي عبد العالي لخليطي
وقد طرحت أرضية الندوة عدة إشكاليات ركزت على السيناريو والسيناريست باعتبارهما من الركائز الأساسية في مختلف الأنواع الفيلمية؛ إذ يشكلان الأساس الذي يُبنى عليه العمل السينمائي، ولا يمكن تصور صناعة فيلم دون سيناريو محكم ومتكامل.
غير أن واقع كتابة السيناريو في المغرب يكشف عن اختلالات عميقة، حيث طغت الهواية على الاحتراف في هذه المهنة، وذلك لعدة أسباب، من أبرزها:
كون أغلبية المخرجين يكتبون سيناريوهات أفلامهم بأنفسهم.
دخول عدد من السيناريست إلى المجال بالصدفة، دون مسار مهني واضح.
غياب التكوين المتخصص لدى عدد كبير .
وقدوم أغلب السيناريست من الحقل الأدبي، مما يؤثر أحيانًا على تقنيات الكتابة السينمائية لصالح السرد الأدبي.
هيمنة نصوص تُكتب لخدمة الرؤية الإخراجية، بدل أن تكون مشاريع فكرية مستقلة قائمة على شخصيات وحبكات متماسكة.
ندرة ثقافة تطوير النصوص والعمل الجماعي على السيناريو، مما يؤدي إلى تكرار الثيمات والقصص النمطية.
اختزال السيناريو، في كثير من الحالات، في كونه مجرد وثيقة لتأمين التمويل أو تبرير عملية التصوير.
وقد حاول المتدخلون مقاربة هذه المعيقات من خلال تجارب ميدانية، وتناولها بشكل معمق، بما يسمح بصياغة توصيات لإعادة الاعتبار لهذه المهنة ولممارسيها.
تمحورت المداخلة الأولى، التي قدمها كاتب هذه الأسطر، محمد حافظي، سيناريست ومخرج ومكوّن بالمعهد المتخصص في المهن السينمائية بورزازات، حول هشاشة وضعية السيناريست على المستويين المهني والقانوني. فمهنيًا، لم يُقِرّ المركز السينمائي المغربي بمهنة السيناريست إلا في القانون 13-18، الذي لم يدخل حيز التنفيذ إلا مؤخرًا عبر إحداث بطاقة مهنية، لم تُسلَّم، إلى حدود الآن، لأي ممارس.
أما قانونيًا، فغالبًا ما تنتهي مهمة السيناريست بمجرد توقيعه عقدًا يمنح المخرج صلاحيات كاملة لإجراء تغييرات جوهرية على القصة، حتى وإن كانت تلك التعديلات على حساب البناء الدرامي للفيلم، وهو ما ينعكس سلبًا على جودة الإنتاج السينمائي المغربي.
وبالتالي يختفي عمل السيناريست مقابل مبلغ زهيد يتقاضاه، مما يقود إلى إشكال آخر، وهو أن كتابة السيناريو لا تُدرج فعليًا ضمن مراحل إنتاج الفيلم السينمائي بالمغرب. فحتى في حالة الاستعانة بسيناريست، يوقّع هذا الأخير عقد تفويت حقوق المؤلف مقابل وعد بأداء مستحقاته في حال حصول الفيلم على دعم المركز السينمائي، وفي حال عدم الاستفادة من الدعم تضيع حقوقه بالكامل، دون اعتبار للجهد الإبداعي المبذول.
أما في حالات الإنتاج المستقل، أو ما يُسمّى تقنيًا Auto-prod (أي أن المنتج لا يقدم المشروع للحصول على الدعم بل يستثمر في الفيلم مباشرة)، فغالبية هذه الأفلام تكون ذات طابع تجاري، وبعضها يفتقد إلى أدنى المقومات الفنية. وفي هذا النوع من الإنتاج، لا تعكس أتعاب السيناريست غالبًا حجم العمل المنجز.
أمام هذا الوضع، نجد أنفسنا أمام مضامين تفتقر إلى رؤية واضحة، وتتأرجح بين ما يطمح إليه السيناريست، وما يسعى المخرج إلى تجسيده، وما تسمح به إمكانيات المنتج، لتتحول هذه العناصر مجتمعة إلى معيقات حقيقية أمام جودة المنتوج السينمائي.
فسينمانا تقدم، في الغالب، نوعين من الأفلام: الأفلام التجارية وأفلام المؤلف. وهذه الأخيرة تكرّس أحيانًا القطيعة مع الجمهور، لأنه لا يجد نفسه ممثلًا ضمن عوالمها ومكوناتها؛ إذ لا يتماهى المتلقي معها (le public ne s’identifie pas). فالمخرج يستجيب أحيانًا لإكراهات يفرضها الداعم، لا تدخل ضمن انتظارات المتفرج، فتكون النتيجة فيلمًا لا يتفاعل معه الجمهور بالشكل المطلوب.
أما على مستوى المحتوى، فلا تزال بعض الأفلام تفتقد إلى البنيات الأساسية للكتابة الدرامية، وإلى احترام الوحدات السردية، في غياب بطل واضح ومكتمل، مستمد من المعيش اليومي للجمهور، يجسد مشاكله وأحلامه بشكل فني. ويعود ذلك إلى غياب الاحترافية التي تفرض الاشتغال العميق على شخصية البطل في علاقة عضوية مع الحدث الرئيسي، مما يضيع على المشاهد فرجة ممتعة تقودها شخصية فاعلة من البداية إلى النهاية.
في مداخلته، استحضر المتدخل الثاني، ذ. الحسين شاني، مقولة المخرج البريطاني ألفريد هيتشكوك حين سُئل عن ماهية السينما، فأجاب: “السينما هي السيناريو، ثم السيناريو، ثم السيناريو”.
وأشار إلى أن ظاهرة جمع المخرج بين الإخراج وكتابة السيناريو ليست عيبًا في حد ذاتها، فهي ممارسة موجودة في سينمات كثيرة، لكنها تتحول إلى مشكل حين تكون نتيجة ضرورة إنتاجية لا خيارًا فنيًا واعيًا.
ومن أبرز العوامل المفسرة لذلك:
ضعف سوق كتاب السيناريو المحترفين.
محدودية الميزانيات التي لا تسمح بتطوير النص لفترات طويلة.
هيمنة ثقافة “المخرج المؤلف” المسيطر على كل مراحل العمل.
غياب منظومة صناعية واضحة لتطوير النصوص قبل الإنتاج.
والنتيجة أن النص يُكتب بسرعة، ويُحال مباشرة إلى التصوير دون مراحل كافية من التطوير وإعادة الكتابة.
فالفيلم الضعيف بصريًا قد ينجح أحيانًا، لكن الفيلم الضعيف كتابة نادرًا ما ينجح.
وحين لا يكون السيناريو قويًا، تظهر مشكلات عدة، منها:
شخصيات سطحية بلا عمق نفسي.
صراعات غير مقنعة.
حلول سهلة للصراع.
حوارات تقريرية بدل أن تكون درامية.
أفكار قوية تتحول إلى أفلام ضعيفة التنفيذ.
غياب التحول الدرامي الحقيقي للشخصيات.
أما المتدخل الثالث، السيناريست والمخرج عبد الإله زيرات، فقد أكد أن اعتبار السيناريو أزمة السينما المغربية مقولة واقعية، مشيرًا إلى غياب مدارس متخصصة ومسارات تكوين قوية، ونقص الورشات الدائمة. كما شدد على أن السينما المغربية لم تبلغ بعد مستوى الصناعة، وأن تحقيق ربحية اقتصادية حقيقية قد يشكل مدخلًا لظهور قصص أفضل وسيناريوهات أقوى.
كما توجه إلى المشاركين الشباب، مؤكدًا أن كتابة الفيلم القصير بالخصوص عملية معقدة تتطلب تكثيفًا وبناءً محكمًا ووعيًا بالكتابة البصرية، داعيًا إلى القراءة ومشاهدة الأفلام الكبرى التي صنعت تاريخ السينما العالمية.
وفي ختام الندوة، خلص المتدخلون إلى ضرورة إعادة الاعتبار لمهنة السيناريست، بالاعتراف بها فعليًا من طرف المؤسسات والمخرجين والمنتجين، وتكريس ثقافة تطوير النصوص، وإدماج كتابة السيناريو كتخصص مستقل في معاهد السينما.
كما شددوا على ضرورة إدراج كتابة السيناريو ضمن مراحل الإنتاج الفعلية، حتى يتقاضى السيناريست أجره عن مدة اشتغاله، بعيدًا عن منطق الوعود المرتبطة بالدعم. فلا يمكن الحديث عن احترافية حقيقية ما دامت الكتابة مقامرة مرتبطة باحتمال التمويل.
ويبقى عمل السيناريست عرضة للقرصنة في غياب مؤسسة واضحة لتحفيظ الملكية الأدبية للسيناريو، وفي ظل نقص النصوص القانونية المنظمة لهذا المجال.
إعداد: محمد حافظي





