وخز و ضحك وذقون

بقلم أبو أيوب
       ملايير الدولارات قيمة مشتريات المملكة العربية السعودية و مقتنياتها من السلاح الغربي، خاصة الأمريكي منها و البريطاني و الفرنسي، طائرات حربية، سفن و بوارج و مدمرات، دبابات و مجنزرات و حاملات جند، مدفعية و أنظمة دفاع جوي و صواريخ باتريوت، كل هذا الكم الهائل و لا حرب ربحتها ” العراق/ سوريا/ اليمن “، ليثبت في نهاية المطاف على أن الفشل مرده انعدام الإرادة و غياب العقيدة ” doctrine ” و ليس السلاح . 
       و العملية الأخيرة للحوثيين اليوم بصاروخ باليستي، استهدف برج المراقبة بمطار أبها جنوب المملكة أرعبتهم، بحيث أن دقتها أخرجت البرج من الخدمة و عطلت الملاحة الجوية، و كان من نتائجها المباشرة تسريع وتيرة مغادرة الأجانب و الوافدين، لتطرح أكثر من علامة استفهام حول فشل منظومة باتريوت في الإعتراض، كما فشلت بالأمس القريب، في اعتراض طير أبابيل الذي قصف مصافي النفط قرب العاصمة الرياض. نوعية العملية تشير إلى أن لها ما يتبعها في القادم من الأيام إن لم تردع السعودية، و تكف عن قصف المدنيين العزل في اليمن . 
       أما ردود الفعل الدولية بخصوص عملية اليوم،  فقد اقتصرت على التنديد و الشجب و مطالبة المنتظم الدولي بتحمل مسؤولياته، و أقوى الردود جاءت على لسان المسؤولين المصريين و البحرينيين و الكويتيين، حيث كلهم أجمعوا على إدانة الهجوم موجهين أصابع الإتهام صوب إيران، رغم أن الصاروخ انطلق من الأراضي اليمنية و هم من أعلنوا مسؤوليتهم عن العملية . ليبقى اتهام إيران من جهة، بمثابة استجداء أمريكا لإيقاف العدوان و حمايتهم، و دليل ضعف و تضعضع و وهن من جهة ثانية. حالة التخبط و الإرباك التي وجدوا أنفسهم محشورين فيها، تدل على أن مقتنياتهم من الأسلحة موجهة إلى نحور شعوبهم . 
       و تزامنا مع النقلة النوعية لهذا اليوم، و مع انطلاق مسلسل الوساطات التي يقوم بها الألمان في شخص وزير خارجيتهم، ثم مع بداية المؤتمر الصحفي لكل من رئيس الوزراء الياباني و نظيره الإيراني، تهتز دولة الكويت الشقيقة على هول فاجعة من العيار الثقيل، تذكرنا بغزوها من طرف العراق سنة 1991، حيث نشرت بعض المواقع الإخبارية الإيرانية المحسوبة على النظام، خريطة الكويت تحت مسمى مقاطعة همدان الجنوبية، بجرة قلم بسيطة ذات مدلول سياسي مسحت الشقيقة من جغرافية الدول الخليجية. حالة هلع عمت الطبقة السياسية بالبلد، حيث انبرئ بعض نواب البرلمان، هذا حال العرب دائما، شجب و تنديد لما أقدمت عليه إيران،  متوعدين باتخاذ أقسى الإجراءات و ما يستلزمه الأمر من ردع . 
        تواصل عمليات الوخز بالإبر، تارة في اتجاه السعودية، من خلال عمليات قصف العمق الأمني و الإقتصادي للممكلة من طرف الحوثيين ” القاعدة الجوية للملك خالد بخميس مشيط جنوبا/ مصافي و مضخات النفط قرب الرياض مثال ” ، أو من خلال توغلاتهم و سيطرتهم على المواقع الحدودية، و تارة أخرى من خلال استهدافهم لمطار أبو ظبي أواسط السنة الماضية، أو عملية قصف محطة ” البركة ” لتوليد الطاقة الكهربائية سنة 2017، و اليوم مع استهداف دولة الكويت، كلها عمليات تسير في اتجاه واحد و ذات مدلول أوحد، يقول بأن دائرة الإستهداف في توسع مستمر، و أنه من المحتمل و المتوقع في المستقبل المنظور، أن تشمل عمليات القصف مصافي تحلية المياه و سواها من المواقع الإستراتيجية الحساسة . 
       و تواصل هكذا عمليات و بهذه الوتيرة التصعيدية، من شأنه الكشف عما بقي من عورات العربان العاربة، كشف يطال كل المنظومة الخليجية و معها جامعة الدول العبرية عفوا العربية، منظومة عربية تفننت و أتقنت فن الضحك على الذقون، و سوقت لنا أننا أمة قوية متماسكة ذات بأس شديد، بينما الحقيقة المرة التي حاولوا طمسها و القفز عليها بشتى أساليب الكذب و الإحتيال، هي أننا أصبحنا أضحوكة العالم بإسره، بل أبخس و أخس و أخبث أمة عرفها تاريخ الإنسانية الحديث . 
        تكديس الأسلحة و اختيار الأجود منها لا يعني بالضرورة أننا أقوياء، تجربة الصومال أثناء عملية إعادة الأمل ” restore hope ” الأمريكية أرغمت الأخيرة على الإنسحاب، بعد أن منيت قواتها العسكرية بخسائر فادحة ” عملية وثقت من خلال فيلم سقوط الصقر الأسود black Hawk down “، أعطت المثال عن صراع الإرادات رغم انعدام التكافؤ التسليحي، كما بالأمس في لبنان تأسيسا على مقولة ” قوة لبنان في ضعفه “، من خلالها استطاع اللبنانيون مواجهة الصلف الأمريكي ” تفجيرات فندق الماريوت ببيروت التي راح ضحيتها أكثر من 350 جندي مارينز “، أو من خلال الحرب سنتي 2000 و 2006 حيث استطاعوا تمريغ الجبروت الإسرائيلي في التراب . 
        و بالعودة إلى الصراع الإيراني الخليجي، يتضح يوما بعد يوم و بما لا يدع مجالا للشك، أن رهان بعض العرب على الحماية الأمريكية رهان خاسر ” ما حك جلدك مثل ظفرك “، كما رهانهم على شعوب ضاقت درعا باستعبادهم و إرهابهم لها … من مؤشرات فقدان الثقة، تصريحات بعض المسؤولين الخليجيين التي تقول بتواجد خلايا نائمة داخل دول المنطقة، هي من تساعد في عمليات الرصد و الإستطلاع و توجيه المقذوفات نحو أهدافها، إذا ما ثبت هذا، فكيف سيكون عليه الأمر في حالة نشوب صراع عسكري في ظل وجود جبهة داخلية مخترقة ؟ . 
       أما الأشقر الفض الأرعن، بفكره المقامر و عقله التجاري، هو يعيش اليوم أسعد أيام حياته، بعدما ضمن مصاريف و أعباء تحركاته العسكرية ذهابا و إيابا و أكثر، يستعد اليوم لإبرام صفقة العمر مع إيران على حساب عمائم الخليج، أحفاد من اكتشفوا الصفر و لازموه، يقابله في الطرف الآخر، من أبدعوا لعبة الشطرنج و برعوا في إطالة أمد المفاوضات و اتخدوا النفس الطويل لهم سبيلا … و هنا أستذكر ما حدث للرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر و حكاية رهائن السفارة الأمريكية بطهران، حادثة كانت بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير ” عدم إعادة انتخابه لعهدة رئاسية ثانية “، فهل سيعيد التاريخ نفسه بالنسبة لترامب أم سيؤكد المؤكد ” بعدم انتخابه ثانية “؟ .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

على هامش الإعلان عن النتائج غير الرسمية للانتخابات التشريعية التونسية الغنوشي يصرح

    أكد الغنوشي أحد زعماء حركة النهضة في مؤتمر صحفي على هامش الإعلان عن ...