
مصطفى بوكرن
كتبت تدوينة مختصرة* حول تناقض الأستاذ المحترم عمر احرشان في تقييم تجربة حزب_العدالة_والتنمية في ندوة الإسلاميون المغاربة إلى أين؟ التي نظمها موقع الشعاع الجديد بتسيير مديره نورالدين لشهب.
سأحاول تأطير تحليلي بنفس الرؤية التي أؤطر بها لتحليلي للواقع السياسي المغربي، وهذه الرؤية ترتبط بميزان القوة. لكي تكون مؤثرا في قرار دولة ما في العالم، إما أن تكون من ضمن النخبة التكنوقراطية والبيروقراطية العميقة، أو لك حضور قوي في الكارتيلات واللوبيات الاقتصادية، أو تسيطر على المؤسسة العسكرية والأمنية، أو لك علاقة بالمؤسسات الدولية والقوى المانحة، أو تقود النخب الفكرية وامبراطوريات الإعلام، أو فاعل قوي تقود الحركات الاحتجاجية والنقابات العمالية.
نأتي لجماعة العدل والإحسان، ما القوة التي تمتلكها في صراعها السياسي؟
تستمد الجماعة قوتها من بنية عقائدية وتربوية صوفية أسسها الشيخ عبد السلام ياسين. وهذه القوة هي قوة “ناعمة” قائمة على التعبئة الأخلاقية والدينية. في بيئة مجتمعية محافظة، يمنح هذا الرأسمال الروحي الجماعة نوعاً من “الحصانة الأخلاقية” في نظر أتباعها، ويجعلها قادرة على تقديم سردية بديلة للسردية الرسمية حول الهوية والمشروعية، مما يشكل تحدياً رمزياً دائماً لصانع القرار.
ولها قوة التعبئة والامتداد التنظيمي، تظهر هذه القوة في قدرة الجماعة على إنزال آلاف المتظاهرين إلى الشارع في وقت قياسي وبانضباط تام (كما يظهر تاريخياً في مسيرات التضامن مع القضايا الدولية أو في الحراكات الاحتجاجية الاجتماعية).
كما أن الجماعة تريد تمتين قوة تغلغلها في المجتمع المدني، حيث ينشط أعضاء الجماعة في جمعيات المجتمع المدني، جمعيات الآباء، العمل الخيري، والنقابات التعليمية والعمالية. هذا التواجد اليومي يمنح الجماعة قدرة على التقاط نبض الشارع، وتوجيه المطالب الاجتماعية، والتحول إلى “وسيط” أو “موجّه” للاحتجاجات الفئوية”.
إذن، القوة التي تملكها الجماعة تندرج ضمن قوة الحركات الاجتماعية والنقابات العمالية.
بهذه القوة تدخل الصراع السياسي، تحافظ على استقامتها الأخلاقية، ليكون لها مصداقية في الشارع.
هذه القوة التي تعدها الجماعة، والتي هي وسيلة في الصراع السياسي، ما الهدف الذي تريد أن تصل إليه؟
الهدف كما ورد في وثيقتها السياسية، الصادرة في فبراير 2024، أنها تريد بناء نظام سياسي جديد، وترفض وتعارض نظام الحكم الملكي، لأنها تعتبره يحتكر جميع السلط، وهذا يتنافى مع جوهر فكرة الدستور، الذي جاء في الأصل ليفصل بين السلط. وتقترح الجماعة لإزالة نظام الحكم الملكي، الدعوة إلى انتخاب مجلس تأسيسي لصياغة الدستور، وهذا الانتخاب، المبادرة فيه للشعب وليس للملك، هذا المجلس التأسيسي يصيغ دستورا ديمقراطيا جديدا، ينهي نظام الحكم الملكي، لأن الجماعة تقول: في كل الدساتير، منذ الاستقلال إلى 2011، الملك يكون فوق الدستور. ويحتكر كل شيء.
في ندوة الشعاع الجديد، قال عمر أحرشان أننا في الجماعة، نميز بين الدولة والنظام، الدولة بناها المجتمع، الطرق، المستشفيات إلخ، فنحن نريد المحافظة عليها، لكننا نعارض النظام. هذا التمييز من طرف الجماعة فيه رسالة إلى أنها ضد الفوضى والعنف، لا تريد هدم الدولة، بل تريد فقط، هدم نظام قديم، وبناء نظام جديد.
هنا يطرح هذا السؤال: هل فعلا تغيير النظام في المغرب لا يغير الدولة وندخل في الفوضى؟
هذا التمييز بين “النظام” و”الدولة” هو خطاب تعبوي في أدبيات جماعة العدل والإحسان، لكن عند إخضاعه للتحليل السياسي والتاريخي الفعلي في المغرب، يصطدم بجدار من الواقعية الصلبة.
في العلوم السياسية النظرية، الدولة هي “الوعاء البيروقراطي والجغرافي والشعبي”، والنظام هو “طريقة إدارة هذا الوعاء”. في فرنسا مثلاً، سقطت ملكيات وجمهوريات وتغيرت النظم خمس مرات، وظلت الدولة الفرنسية قائمة.
لكن هل يصح هذا على الحالة المغربية؟ الجواب: قطعا لا، لأن النظام الملكي هو الذي صنع وهندس الدولة الشريفة لقرون، الجيش والأمن والإدارة العميقة والقضاء والمجال الديني..، هي مرتبطة عقائديا ووظيفيا برأس الدولة “ورأس الدولة ملكا ثم أميرا للمؤمنين، يحمي الوطن و الدين”. إزالة هذا الرأس كما تدعو إليه جماعة العدل والإحسان، هو تفكيك روح الدولة_المغربية، الذي إن فقد مات الجسد، وهذا الرأس شرعياته متعددة دينية وتاريخية….
إضافة إلى ذلك، هناك نظام عتيق، دام لقرون وهو نظام المخزن، والذي هو شبكة سوسيولوجية معقدة من المصالح والتوازنات التي تربط النخب المحلية، الأعيان، الطرق_الصوفية، ورجال_الأعمال بالمركز.
هنا، أذكر جماعة العدل والإحسان بالقيادي الاتحادي إبراهيم أوشلح، الذي كان قائدا في التنظيم المسلح لسنة 1973، قال في مراجعاته اكتشفنا أن النظام الذي يحكم المغرب، ليس فكرة سياسية فقط، بل هو بنية سوسيولوجية. هذا التغيير الذي تدعو إليه الجماعة، لن يفكك فقط الدولة، بل سيفكك المجتمع نفسه، ومن الطرائف التي يحكيها القيادي الاتحادي امبارك بودرقة، أن المغاربة هم من اكتشفوا التنظيم المسلح الذي جاء للاعتداء على الأجهزة الأمنية، كانوا يستضيفونهم للعشاء، ويوصلون الأخبار للسلطة، عقلية عجيبة للمغاربة!
أحرشان يميز بين الدولة والنظام كطاكتيك خطابي فقط، للهروب من تهمة تخريب الوطن، والتأكيد على السلمية، لكن هذا التمييز مستحيل في المغرب، الدولة هي النظام والنظام هو الدولة، هذا معطى واقعي، لا يمكن التحايل عليه.
الآن نأتي إلى هذا السؤال: إذا كان هذا الهدف، وهو تغيير النظام كما تقول الجماعة، فما القوة التي تعدها لهذا الهدف من أجل أن يتحقق؟
هذا هو المأزق الكبير، قامت الجماعة بحيلة لغوية: النظام ليس هو الدولة، لتفكر في أساليب سياسية لتغييره “انتخاب جمعية تأسيسية” لإعداد الدستور، هذا هو المنطق وما بعده مجرد فروع، وفي الوثيقة كلمة معبرة للشيخ عبد السلام ياسين رحمه الله، أن الجماعة لا تريد أن تكون معارضة كباقي المعارضات، بل عليها أن تركز جهودها على أصول الحكم الجائر، بمعنى لابد من القطع مع شيء اسمه الملك: يعلن تغيير الدستور ويعين مستشاريه لتلقي الاقتراحات، ثم يشكل لجنة، هذا مرفوض عند العدل والإحسان، لأنها تعتبره دستورا ممنوحا، تحتكر فيه الملكية كل السلطات.
الدخول في هذه الدائرة تاريخيا، يعني الدخول إلى “العنف والعنف المضاد”، لأنك تريد بناء توافق جديد لا ترعاه الملكية بل ترعاه فكرة مجهولة تؤدي بك إلى المجهول، ولن يحسم ذلك إلا بالغلبة…إلخ.
الجماعة ترى عملة، وتقول أن الوجهين مختلفان، وهما وجهان لعملة واحدة، وهذه مشكلة.
جماعة العدل والإحسان تمتلك بالأساس رأسمالا رمزيا وتربويا وقوة تعبئة بشرية. لكن في تاريخ العلوم السياسية، وتغيير النظم أو إسقاطها يتطلب إما: قوة خشنة (مادية/عسكرية): وهو خيار ترفضه الجماعة أيديولوجياً واستراتيجياً عبر تبنيها الصارم لمبدأ “اللاعنف”. أو اختراق وبناء تحالفات داخل أجهزة الدولة الصلبة: (الجيش، الأمن، البيروقراطية العميقة)، وهو ما لا تملكه الجماعة تماماً، حيث تظل هذه الأجهزة متماسكة وولاؤها العقائدي والوظيفي مطلق للمؤسسة الملكية. وبالتالي، فإن القوة الأخلاقية والتعبوية للجماعة صالحة لـ “الممانعة” والاحتجاج، لكنها لا تحقق الهدف الهلامي الذي يخالف طبيعة الدولة والمجتمع..
وسياسيا، تغيير نظام سياسي يتطلب جبهة عريضة أو ما يسميه غرامشي “الكتلة التاريخية” (تحالف قوى سياسية، مدنية، واقتصادية مختلفة تلتقي على مشروع بديل).
لكن مشروع الجماعة القائم على أدبيات “الخلافة على منهاج النبوة” ومرجعيتها الصحبوية والتربوية، يصطدم برفض أو توجس حذر من باقي مكونات المشهد المغربي (اليساريين، الليبراليين، الحداثيين، وحتى قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى والتكنوقراطية). هذه العزلة تعني أن القوة العددية للجماعة، مهما كبرت، تظل “قوة فئوية معزولة” عاجزة عن قيادة إجماع وطني لتغيير النظام، حيث يفضل الكثير من الفاعلين الاستقرار الحالي على المجهول الذي قد تطرحه الجماعة.
إضافة إلى أن تغيير النظام يتطلب تقديم مشروع تدبيري بديل ومقنع (اقتصادياً، تكنوقراطياً، ودبلوماسياً) يطمئن الداخل والخارج.
الجماعة، بسبب انغلاقها التربوي وابتعادها عن ممارسة التدبير الحكومي والجماعي، تفتقر إلى النخب التكنوقراطية والاقتصادية القادرة على إدارة “دولة” في عالم معقد ومترابط، وقوتها الحالية لا تؤهلها لتقديم هذا البديل.
هذا هو المأزق، هذا التناقض بين الخطاب المرتفع (تغيير النظام) والوسائل المحدودة المتاحة (التربية والشارع) هو ما يجعل الجماعة تاريخياً تدور في حلقة مفرغة من “الانتظار والترقب”.
وأستغرب لماذا أبناء العدل والإحسان ينتقدون “الانتظارية”؟!
ويقولون: إنهم يعملون في المجتمع؟ وهذا الجواب يؤكد المأزق، ولتبسيط هذا المأزق، شخص هدفه إعداد دكتوراه في الفيزياء، وحين تسأله إلى متى هذا الانتظار والجمود، يجيبك إنني مشغول بالقراءة، ماذا يقرأ؟ يقرأ الجرائد. الهدف في الشرق والوسيلة في الغرب، وهذا الذي يقع للجماعة، لكن الجماعة تمارس ذلك بوعي، لأنها ملتزمة بشعارها “لا للسرية لا للعنف لا للخارج”.
يقول أحرشان حققنا في 2011، في ظرف سنة ما لم تحققه جميع الأحزاب؟ ماذا حققتم، دفعتم الملك لتغيير الدستور، لنسلم جدلا أن الشارع هو من ضغط، وليس جهات خارجية، ولكن عملكم ذلك جاء بالنتيجة التي تنتقدونها طلية مساركم، أين هي الجمعية التأسيسية؟ وكما قال حامي الدين أنتم في 20 فبراير رفضتم “الملكية البرلمانية”.
تخيلوا معي أصدرت جماعة العدل والإحسان وثيقة سياسية، لم تحدث أي أثر، ولم يتلقها المجتمع السياسي لا بنقاش ولا برد، كأنها لم تصدر، لأن الفاعلين والمجتمع، لا يمكن لهم العودة إلى نقطة الصفر التي تدمر الدولة والمجتمع.
ثم أما بعد:
إنها الورطة….
*التدوينة المختصرة:
عمر احرشان قيادي في جماعة العدل والإحسان قال للاستاذ والصحفي نور الدين لشهب في الندوة : أنا ضد نظام الحكم الملكي. وميز بين النظام والدولة، وارتسمت علامات الاستفهام على وجه لشهب.
هناك معطى: حزب العدالة والتنمية قبل بهذا النظام ويشتغل من داخله.
لكن عمر احرشان في الندوة، وقع له تناقض، يحكم على فشل البيجيدي بمؤشرات تستعملها الأحزاب السياسية المشاركة في المؤسسات في معارضة بعضها لبعض.
لكن الجماعة ليست حزبا سياسيا مشتبكا مع السياسات العمومية في تفاصيلها الدقيقة، بل هي جماعة تعارض نظام الحكم برمته بما فيها الاحزاب التي تشتغل داخله.
كان عليه أن يقول نحن ضد اللعبة برمتها وضد هذا النظام الذي صنعها، لا أن يتخصص في الحكم على تجربة البيجيدي وحده التي لا يعرف تفاصيلها برلمانيا وميدانيا.
ومن هنا كان عبد العالي حامي الدين ذكيا جدا، لكن أحرشان أظن أنه لم يدرك تناقضه!
لتفهموا، هل جماعة العدل والإحسان تصدر بلاغا يناقش قانون المالية؟
الجواب: لا، لأنها ضد النظام برمته، وتريد العودة إلى الصفر: انتخاب جمعية تأسيسية تعد الدستور، لا أن يكون الملك فوق الدستور، ويملك زمام المبادرة، كما تشير إلى ذلك الوثيقة السياسية للجماعة الصادرة في فبراير 2024





