وفاة المفكر الإسلامي والدبلوماسي الألماني المشهور مراد هوفمان

    توفي المفكر الإسلامي والدبلوماسي الألماني المشهور مراد هوفمان، صاحب كتاب “الرحلة إلى الإسلام” .
    وكان قد أسلم منذ عام 1400 هـ، واعتلى مناصب مهمة، منها كونه مدير إدارة المعلومات لحلف الناتو في بروكسل في الفترة 1983 – 1987 م، ثم كان سفيرًا في الجزائر، ثم في المغرب. وألف عدة كتب يبرز فيها عظمة الدين الإسلامي، وأدلة الإيمان وصحتها .
    وهذه قراءة للمفكر سلمان بونعمان في تحول هوفمان وتفاعله مع الإسلام : “قراءة في تحول هوفمان : خبير القانون الدولي والسفير الديبلوماسي تحولات المفكرين نحو الإيمان” .
    تشكل تجربة الدكتور والسفير الألماني مراد هوفمان (1) في تفاعله مع الإسلام واكتشافه له، خصوصية ذات طبيعة فريدة تقاطع فيها البعد الفلسفي بالمواقف التاريخية بالأبعاد الجمالية الروحانية .
    فقد كان هوفمان في بدايته مولعا بالفن الساكن كالرسم والنحت والعمارة والخط، وسرعان ما لفت انتباهه جمال الفن التشكيلي الذي يرى أنه يزداد الإحساس به كلما زادت قدرته على الإيحاء بالحركة. وتطور هذا الاهتمام إلى انبهاره الشديد بعروض رقص الباليه، حتى صار ناقدا مرموقا في الباليه يشرف على باب نقد الرقص في صحيفة ميونيخ المسائية عام 1955. وعمل هوفمان بين 1954 و1980 ناقدا متخصصا للباليه في صحف ألمانيا وبريطانيا وأمريكا. وعمل محاضرا لمادتي تاريخ وعلم الجمال الباليه بمعهد كولونيا للباليه للفترة 1971 و1973.
    وخلال وجوده في الجزائر كدبلوماسي عام 1961 لفتت انتباهه الأعمال المعمارية الإسلامية كالمساجد والمدارس والأبنية القديمة. يقول في هذا الصدد هوفمان:”ألهمتني أعمال معمارية، مثل قصر الحمراء في غرناطة والمسجد الكبير في قرطبة بإسبانيا، اليقين بأنها إفراز حضارة راقية رفيعة. واستوعبت جيدا ما كتبه راينر ريلكا بعد زيارته لكتدرائية قرطبة، (…) تملكني منذ زيارة قرطبة عداء وحشي للمسيحية. إنني أقرأ القرآن وهو يتجسد لي صوتا يستوعبني بقوة طاغية، وأندفع بداخله كما تندفع الريح في الأرغن”(2) .
    لقد انبهر هوفمان بالفن الإسلامي حتى فقد الإحساس تجاه الفنون الأخرى فيقول : “صار الفن الإسلامي وطنا جماليا لي، مثلما كان الباليه الكلاسيكي من قبل. وأصبحت أرى الأعمال الفنية للعصور الإغريقية والرومانية والقوطية ولعصر النهضة مثيرة وعريقة وأصيلة بل وعبقرية ولكنها لا تنفذ إلا داخلي، ولا تحرك عواطفي ولا مشاعري. إنني أدرك قوة جاذبية هذا الدين الآن أفضل من ذي قبل”(3)، كما وصف المساجد وروحانيتها قائلا:”إنني أفكر كثيرا في أسرار إضاءة المساجد وفي بنائها الديمقراطي، وفي بناء القصور الإسلامية، الذي يوحي بحركة متجهة إلى الداخل، بحدائقها الموحية بالجنة بظلالها الوارفة وينابيعها ومجاريها المائية، وفي الهيكل الاجتماعي-الوظيفي المبهر للمدن الإسلامية القديمة اذلي يهتم بالمعيشة المتجاورة تماما كما يهتم بإبراز موقع السوق وبالمواءمة أو التكيف لدرجات الحرارة وللرياح، ويدمج المسجد والتكية والمدرسة والسبيل في منطقة السوق ومنطق السكن(…) كان ما أحسست منذ البداية أنه إسلامي وباعث على السعادة هو في واقع الأمر التأثير الناضح للتناغم الإسلامي، وللإحساس بالحياة والمكان الإسلاميين على العقل والروح. وهذا ما أحسست به في متحف جولبينكيان الإسلامي في لشبونة، مثلما أحسست به في المسجد الأموي بدمشق، وفي مسجد ابن طولون بالقاهرة، وفي مسجد القيروان القديم أو المسجد السليمي في درنه”(4) .
    عاد هوفمان إلى السؤال الأساس حول وجود الله سبحانه وتعالى، وبعد قيامه بتحليل أعمال لفلاسفة  مثل: فيتجنشتاين، وباسكال، وسوينبرن، اقتنع هوفمان فكريا بوجود الله سبحانه، وكان السؤال المنطقي الذي واجهه بعد اقتناعه هو: كيف يتواصل الله سبحانه مع البشر ليقودهم إلى الطريق المستقيم؟ هذا السؤال قاده إلى الاعتراف بالحاجة إلى الوحي، ولكن أي الكتب السماوية تحتوي على الحقيقة (اليهودية أم النصرانية أم الإسلام؟)(5).
    وقد بدأ هوفمان يسأل نفسه أسئلة دينية وفلسفية ثم أخذ يبحث عن أجوبة لها. قادته تلك الأسئلة والأجوبة إلى اليقين بوجود الله تعالى، وتساءل عن ماهية الاتصال بين الله والإنسان. قاده ذلك السؤال إلى ضرورة الوحي والدين. جاءته الإجابة من خلال قراءته المتكررة للآية الكريمة:” أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى”[النجم/38]. يشرح هوفمان تصوره عن هذه الآية، فيقول:”لا تعبر هذه الآية عن مبدأ أخلاقي فحسب، بل تتضمن مفهومين دينيين يمثلان أساسا وجوهرا لفكر ديني هما: إنكارها لفكرة وراثة الخطيئة وإلغاءها إمكانية تدخل فرد بين الإنسان وربه، وتحمل الوزر عنه. وهذا المفهوم ينسف مكانة القساوسة ويحرمهم من نفوذهم، وينفي فكرة الوساطة بين الإنسان وربه .
    لقد شكلت فكرة إنكار الخطيئة الأصلية أهمية قصوى في تفكير هوفمان، لأنها حسب رأيه، تفرغ التعالم المسيحية من عدة عناصر جوهرية مثل: ضرورة الخلاص، التجسيد، الثالوث، والموت على سبيل التضحية. عندها لم تعد المسيحية تبدو بنظره سوى أنها ترتكز على أساطير متنوعة ومتعددة. كما تحولت نظرته للإسلام لتتجذر أكثر حتى صار يعتقد أن الإسلام هو الدين الحق والبديل الوحيد للمجتمعات الغربية .
    ويقول هوفمان : إنني كنت قريبًا من الإسلام بأفكاري قبل أن أُشهِرَ إسلامي في عام 1980م بنطق الشهادتين متطهرًا كما ينبغي، وإن لم أكن مهتمًّا حتى ذلك الحين بواجباته ونواهيه فيما يختص بالحياة العملية. لقد كنت مسلمًا من الناحية الفكرية أو الذهنية، ولكني لم أكن كذلك بعدُ من الناحية العملية، وهذا على وجه اليقين ما يتحتم أن يتغير الآن جذريًّا، فلا ينبغي أن أكون مسلمًا في تفكيري فقط، وإنما لا بد أن أصير مسلمًا أيضًا في سلوكياتي.
    ومجمل القول، أن هوفمان بدأ ينظر إلى الإسلام كما هو، أي بوصفه العقيدة الأساسية الحقة التي لم تتعرض لأي تشويه أو تزوير…عقيدة تؤمن بالله الواحد الأحد الذي”لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد”[الإخلاص]. يقول هوفمان”رأيت فيه عقيدة التوحيد الأولى..عقيدة لا ترى أن معتنقيها هم شعب الله المختار، كما أنها لا تؤله أحد أنبياء اليهود. لقد وجدت في الإسلام أصفى وأبسط تصور لله. تصور تقدمي. ولقد بدت لي مقولات القرآن الجوهرية ومبادئه ودعوته الأخلاقية منطقية جدا حتى أنه لم تعد تساورني أدنى شكوك في نبوة محمد”(6) .
    وبعد إسلامه ابتدأ د.هوفمان مسيرة التأليف ومن مؤلفاته، كتاب (يوميات مسلم ألماني) ، و(الإسلام عام ألفين) و(الطريق إلى مكة) وكتاب (الإسلام كبديل) الذي أحدث ضجة كبيرة في ألمانيا .
    لقد تميزت رحلة غارودي وهوفمان بوجع طرح السؤال وقلق التفكير الحاد في الوجود والكون والمجتمع والذات، وبتلك القدرة الهائلة على مراجعة المسلمات والشك فيها والبحث الدائم عن الأجوبة للأسئلة الحارقة بداخلهم، مع إحياء وظيفة العقل الأصلية في التدبر والتفكر والتأمل في الكتاب المسطور والمنظور، خصوصا بعد أن أخفقت المسيحية في تقديم أجوبة عميقة عن تساؤلاتهم الوجودية والإنسانية والإصلاحية وأثبتت الفلسفية المادية محدودية قدرتها نحو إدراك مركب وشامل للظاهرة الإنسانية وللأبعاد الروحية والوجدانية فيها، ليصل بهم الأمر في النهاية إلى تبني الإسلام بوصفه رؤية حضارية للكون والعالم والمجتمع، ونظرة مجددة مركبة في منح المعنى وإنقاذ البشرية من أزمة القيم الخانقة وإبداع حلول جذرية لمعضلات الحضارة الحديثة، كما لا يمكن إنكار ما اتسمت به القراءة النوعية والتفاعل الفطري والعقلي والوجداني لكل من “غارودي” و”هوفمان” مع القرآن الكريم، والتأثير الهائل الذي تركه في فكر ونفسية وطرق تفكيرهم وسلوكاتهم .
المراجع :
· مراد هوفمان، الإسلام كبديل، مكتبة العبيكان، الطبعة الثانية، 1997.
· مراد هوفمان، الطريق إلى مكة، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى 1998.
الهوامش :
1. ولد الدكتور هوفمان ـ الذي اعتنق الإسلام عام 1980 ـ على الكاثوليكية في ألمانيا عام  1931، وتخرج من كلية الاتحاد في نيويورك، وأكمل دراساته القانونية في جامعة ميونخ حيث حصل على درجة الدكتوراه في التشريع في عام 1957. أصبح هوفمان باحثا مساعدا في الأبحاث التي تهدف إلى إصلاح القانون المدني الفدرالي، وفي عام 1960 حصل على درجة LL.M ( Master of Law ) من كلية الحقوق بجامعة هارفارد. وقد عمل  مسؤولا عن جمع المعلومات لحلف شمال الأطلسي في بروكسل  في الفترة مابين عام 1983 و1987. بعد ذلك عين سفيرا لألمانيا  في الجزائر عام ،1987 ومن ثم في المغرب في عام 1990 حيث عمل لمدة أربع سنوات، وقد قام بأداء العمرة  في عام 1982 والحج في عام 1992 .
2. مراد هوفمان، الطريق إلى مكة، ص35 .
3.  مراد هوفمان، الطريق إلى مكة، ص36 .
4. هوفمان، الطريق إلى مكة، ص36 .
5.هوفمان، الطريق إلى مكة، ص38 .
6. هوفمان، الطريق إلى مكة، ص39 .

About هيئة التحرير

Leave a Reply

Your email address will not be published.

x

Check Also

وزارة التربية الوطنية تكشف حقيقة تأجيل الامتحان الجهوي للسنة أولى بكالوريا

    نفت وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي (قطاع التربية الوطنية) ...