ومضات تاريخية/ ج 2

بقلم أيوب

    و أعدوا لهم ما استطعتم … هكذا قال سبحانه و تعالى في إشارة للمؤمنين قبل شن أي حرب ، و هذا ما يستلزم اتخاذ ترتيبات و أخذ تدابير احتياطية و رسم خطط و برمجة بدائل توجسا للمفاجآت ، نذكر بعضا منها على سبيل المثال لا الحصر و على رأسها :

  • تحصين الجبهة الداخلية ( الحاضنة الشعبية ) إذ بدونها لا يمكن بالمطلق ربح الحرب ” أمريكا/ فرنسا و حرب الفيتنام مثال ”
  • رسم الخطط بما فيها البديلة لحسم الحرب في أسرع وقت ممكن و تحديد الأهداف المتوخى تحقيقها من وراء الحرب ” تحرير الأراضي مثال ” .
  • توفير الغطاء السياسي بإشراك جميع مكونات المجتمع من أحزاب و منظمات المجتمع المدني … لاستنهاض الهمم و المشاركة في المجهود الحربي …
  • جرد للحلفاء و المساندين لتوفير الدعم الخارجي و تأمين متطلبات الحرب من أسلحة و ذخيرة و عتاد … فضلا عن الغطاء السياسي في المنظمات القارية و الإقليمية و الدولية المرتقب تدخلها أو وساطتها و إسهامها في حل النزاع …

    و إذ اكتفي بهذا فاسحا المجال لموضوع اليوم الذي نخصصه حصريا لحرب الرمال التي نشبت بين المغرب و الجزائر سنة 1963 . بدون الدخول في الحيثيات و بغض النظر عن من البادئ بإشعال فتيلها تاركا للقارئ المتتبع حرية التفكير و التحليل بعيدا عن العاطفة لتحديد من المنهزم و من المنتصر ، حرب استعر أوارها بعيد سنة و نيف على نشأة منظمة الوحدة الإفريقية ” 25 ماي 1962″ و قرابة سنة على استقلال الجزائر ، و في ظرف استثنائي اتسم في مجمله بضعف الدولتين معا ، و ما كانا يكابدانه من إرهاصات و متاعب داخلية تركت بصمتها في تاريخ المنطقة عموما .

  1. الجزائر آنذاك و بعد تأسيس النواة الأولى للجيش كانت تعيش على وقع تداعيات الإنقلاب على الرئيس أحمد بن بلة و تعيين الهواري بومدين كزعيم جديد للبلاد …
  2. المغرب بدوره كان يعيش على وقع مخاض صراع سياسي بين ملك شاب طموح يريد إرساء ركائز ملكية مطلقة ، و حزب الإتحاد الوطني للقوات الشعبية المعارض بزعامة عبد الله ابراهيم الوزير الأول المقال …

    لم تدم الحرب سوى أسابيع محدودة، استطاع المغرب من خلالها بسط سيطرته على أراضي بمنطقة بشار و عين بيضا ، بينما بقيت عيونه منصبة على منطقة تندوف و باقي الصحراء الشرقية التي ضمتها فرنسا المستعمرة سنة 1953 للجزائر الفرنسية بداية انطلاق ثورة التحرير ، و هي المناطق التي حددها كأهداف للحرب مطالبا باسترجاعها إلى كنف السيادة المغربية ، في المقابل استطاعت الجزائر التوغل شمالا بعمق حوالي 100 كلم لتبسط سيطرتها على منطقة أيش و بعض الاراضي في محيط مدينة فكيك ….

    وبعد عدة أيام من معارك الكر و الفر بين الإخوة الأعداء …، و على إثر وساطة قام بها كل من الرئيس المالي موديبو كيتا و إمبراطور اثيوبيا هيلاسيلاسي الذي كان يترأس آنذاك منظمة الوحدة الإفريقية ، وضعت الحرب أوزارها بعد توقيع المغرب و الجزائر على بنود اتفاقية سلام بالعاصمة المالية باماكو أواخر 1963 ، انسحبت بموجبها الدولتان المتحاربتان من المناطق التي سيطرت عليها بداية الصراع المسلح ، لتطوى بذلك مرحلة صراع دموي و تبدأ أخرى لا زالت ترخي بظلالها على علاقات البلدين إلى يومنا هذا .

    لكن الملفت للإنتباه أن الأراضي التي حددت كأهداف للحرب و يجب استرجاعها “بشار/ لقنادسة/ عين بيضا/ تندوف و كامل الصحراء الشرقية” ، بقيت إلى يومنا هذا خارج السيطرة و السيادة المغربية ، بل الأنكى أنه تم الإعتراف بها كأراضي جزائرية بصفة رسمية و وثقت بالجريدة الرسمية و الإتحاد الإفريقي و الأمم المتحدة ، يتنكر من خلالها المغرب و يتنازل عن المطالبة بها ليطوى مشكل الحدود بين الأخوة الأعداء بصفة نهائية .

    فلماذا إذن انطلقت تلكم الحرب العبثية ؟ و من يتحمل وزر الإخفاقات و المسؤولية ؟ و أين هي الطبقة السياسية و الزعامات الحزبية مما جرى ؟ و أية مصداقية بقيت لهم إن كانت هناك فعلا مصداقية ؟ بالتالي من المنتصر و من المهزوم ؟ أسئلة تطرح رغم العلم بغوغائية و عاطفية و حربائية الأجوبة ، و إلى ومضة أخرى من ومضات تاريخية في المقبل من الأيام …

About هيئة التحرير

Leave a Reply

Your email address will not be published.

x

Check Also

مجلس النواب رفض اليوم مطلق لما تضمنه التقرير الأخير لمنظمة “أمنستي” من أكاذيب تستهدف المؤسسات الوطنية

مجلس النواب رفض اليوم مطلق لما تضمنه التقرير الأخير لمنظمة “أمنستي” من أكاذيب تستهدف المؤسسات ...