يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم..

عمر سعيد العمري يكتب:
ــــــــــــــــــ
قد يتساءل المرء عن مغزى استهداف السلاح الأمريكي لمدرسة ابتدائية للبنات في اليوم نفسه الذي اغتيل فيه المرشد الأعلى لإيران، وعن الدلالة الكامنة وراء تقديم دم الأطفال “قربانا افتتاحيا” لمشهد الضربة الكبرى.
تفيد المصادر الإيرانية بأن الهجوم المباغت بدأ أولا باستهداف التلميذات، ما أسفر عن مقتل 168 طفلة، قبل أن يمتد إلى مهاجمة مقر “خامنئي”، ويبدو هذا السلوك، في ظاهره، بعيدا عن المنطق العسكري المباشر وعصيا على التبرير، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول عقلانية هذا الهجوم، وحول ما يخفيه من دلالات تتجاوز صورته العسكرية الظاهرة.
إن الأمر، في نظري، لا يدخل ضمن منطق العبث، ولا يمكن حمله على مجرد خطأ عابر، وإنما يتحرك داخل هندسة مقصودة، خطط لها ونفذت مع سبق الإصرار والترصد، ذلك أن إراقة دماء الأطفال ليست، في هذا التصور، تفصيلا جانبيا في مشهد الحرب، وإنما هي فعل تأسيسي في عقيدة “النظام الفرعوني” عبر التاريخ.
وهكذا أرى هذا المعنى متجسدا اليوم في النظام العالمي الدموي، الذي تقوده أمريكا، وتعمل من وراء ستوره الصهي//ونية العالمية، فالإله الذي يتعبد له “ترامب” و”نتنياهو”، بحسب هذا التأويل، لا يرضى إلا بالقرابين، ولا يستجيب إلا للدم، ولا يمنح الغلبة ولا يسبغ بركته إلا بعد أن تسفك الأرواح على مذابح المعبد..
وتتجلى في فلسطين ـ مثلا ـ هذه البنية في أكثر صورها عريا وفجاجة، إذ تركز الآلة العسكرية على قتل الأطفال من غير رحمة، حتى لكأنها لا تخوض حربا على شعب فقط، وإنما تخوض حربا على البراءة نفسها، ففي عامين فقط بعد طوفان الأقصى، قتل أكثر من 20 ألف طفل.. هذه ليست أخطاء أو سوء تقدير.. هذا أمر مقصود..
إن “إله” إس//رائيل وأمريكا لا يرضى إلا بأن تقدم إليه دماء الأطفال عربون ولاء ومحبة، ومن خلال هذا القربان يمنح أتباعه العون والقوة والمباركة..
ويجد هذا “الرمز الدموي” جذورا له في نصوصهم “المقدسة”، كما في العبارة: “put to death men and women, children and infants”، أي: “بل اقتل رجلا وامرأة، طفلا ورضيعا، بقرا وغنما، جملا وحمارا”.
إن هذا النص يتحول، في مثل هذه السياقات، إلى أداة رمزية يستند إليها لتبرير القتل، وإلى مرجعية تستدعى كلما أراد الطغيان أن يلبس الإبادة ثوب الشرعية والاصطفاء..
ويمكن الإشارة أيضا إلى ما أُثير حول جزيرة “إبليس تين” من تسريبات وفضائح تتعلق باغتصاب القاصرات، وإلى ما نسج حولها من حديث عن تقديم الأطفال قرابين لـ”إله” الجزيرة (ابليس)، تلك الجزيرة التي كان ترامب صديقا لصاحبها “إبستين”.
ينبغي التنبيه إلى أن العالم الذي يتصدر المشهد اليوم لا يمكن فهمه من داخل السياسة وحدها، لأنه يقوم أيضا على أبعاد عميقة من الشهوة والسلطة والأسرار والفساد، بحيث لا يغدو ما يظهر على السطح سوى قناع، بينما يكمن التفسير الأصدق في ذلك الباطن المعتم الذي يفسر سلوك الإمبراطوريات عندما تنتقل من منطق الهيمنة إلى منطق الافتراس.
ووربما ينبغي التنقيب أكثر في التاريخ الطويل عن عمليات تقديم الأطفال قرابين للآلهة في الحضارات القديمة، لكن القرآن الكريم أماط اللثام مرارا عن معالم “النظام الفرعوني المتأله”، وكشف أن “ذبح الأطفال” كان ركنا من أركان بقائه، وآلية من آليات تجدد سلطانه عبر السفك المستمر للدماء واستعباد البشر..
وليس من قبيل المصادفة أن يقوم نظام فرعون في عهد موسى على قتل دموي ممنهج تكشفه الآية الكريمة: “وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم”، إذ تميط هذه الآية اللثام عن قانون عميق من قوانين الطغيان، مفاده أن سلطة الفراعنة تحتاج إلى “دم الأطفال” لتجدد به ميثاقها، وتؤكد به ولاءها الدائم لـ”إبليس”. (المفارقة هنا أن أبناء بني اسرائيل في ذاك النظام كانوا هم الضحية)
وتأتي قصة إبراهيم لتكشف الحد الفاصل بين “إله الرحمة” و”آلهة الدم”، فقد هم إبراهيم بـ”ذبح” ابنه إسماعيل امتثالا للأمر، إلا أن إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب لم يقبل هذا القربان، ففداه بذبح عظيم.
أما “إله فرعون” في كل العصور، فلا يرضيه إلا دم أطفال بني آدم، لأن هذا السلطان، في جوهره، لا يثبت إلا حين يتغذى أولا على دماء أعدائه من المستضعفين.
أريد أن أصل إلى أن النظام الفرعوني العالمي الراهن قد استوفى أسباب الطغيان كلها، وأنه “الوريث الشرعي” لفرعون عهد موسى، من حيث الشكل والمآل، وأيضا من حيث البنية العميقة التي يقوم عليها: قتل الأطفال، وتوظيف السحر، وصناعة الرهبة، وإدارة الخوف والتوحش، وإحاطة العنف بهالة زائفة من الشرعية.
إن لكل نظام فرعوني عصا موسى تهد أركانه، وتكسر سحره، وتفضح وهم خلوده ساعة يظن أنه أحكم القبضة على العالم، وفراعنة هذا العصر، وقد بلغوا من البطش ما بلغوا، لا بد أن يتهيأ لهم من هو أقوى من موسى في العدة، وأعلم من موسى بتركيبة الطغيان الجديدة..
ولكل فرعون موساه..
ملحوظة: لا أقصد بعصا موسى النظام الإيراني ولا مرشده الأعلى، فليس في ذلك، في نظري، ما يهدم أركان “النظام الإبليسي” القائم، وإنما الذي يجري الآن لا يعدو أن يكون تعجيلا لقيام نظام عالمي جديد، وهي سنة الله الجارية التي لا تبديل لها ولا تحويل..
ــــــــــــــــ





