يقول الاحتفالي: تعددت الاحتفالات و العيد واحد

عبد الكريم برشيد 
فاتحة الكلام
وفي احد تعقيباته على الكتابات الاحتفالية، نجد المخرج المسرحي السوداني ماهر سيد، القريب جدا من الفكر الاحتفالي ومن الفن الاحتفالي، والذي سبق وأخرج لي مسرحية (اسمع يا عبد السميع) يقول:
(متعك الله استاذي الجليل بالصحة والعافية لقد صدق ابو القاسم .. الاحتفالية تجربة إنسانية فنية مكتملة الجوانب ومازالت تنبض حيوية وعنفواناً. انها مسيرة صادقة نحو مسرح يخصنا ويبعث الأمل فينا)
نعم هو البحث عن مسرح يخصنا ويبعث الأمل فينا، ويقنعنا بان هذا المسرح موجود، وهو مختبئ في عيشنا اليومي، وفي أحلامنا وفي احتفالاتنا، وفي اعيادنا وفي امثالنا وفي حكينا الشعبي
هذه الاحتفالية هي فعلا تجربة إنسانية، مع شيء من التجريب الذي لا افتعال فيه ولا تصنع، ولعل اهم ما يميز هذه الاحتفالية هو انها تشبهنا، ولا تشبه احدا غيرنا، وهي وفية للإنسان، ولثقافة هذا الإنسان، ولواقعه ولتاريخه ولنظام حياته
وفي السودان، ومن خلال مهرجان البقعة في ام درمان، اكتشفت احتفالية افريقية صادقة، وهذا هو جعلني اصدر ( بيان ام درمان للاحتفالية المتجددة) من السودان، وقد كان ذلك بمناسبة الذكرى الاربعين لصدور البيان التأسيسي الأول للمسرح الاحتفالي بالمغرب سنة 1976
هناك اليوم مسارح كثيرة في الوطن العربي، تشعرك بانها بلا روح وبلا حياة، وبأنها مجرد صناعة، قد يبهرك ظاهرها، وقد تخاطب عينك فقط، من غير ان تخاطب روحك، ولقد مكنني مهرجان البقعة، لأخينا مولانا علي مهدي، من ان اعيش المسرح في السودان بشكل مختلف، وان أحيا لحظته العيدية قبل ان اتفرج على صوره البرانية، وهذا هو ما جعلني اطلق هذا المسرح اسم ( الأحتفالية الافريقية) والتي يقودها بحكمة واقتدار الفنان والمفكر الاحتفالي السوداني والعالمي علي مهدي،
هذه الاحتفالية الأفريقية تتميز بروحانيتها الصوفية الشعبية، كما تتميز بالبساطة الغنية بالمعاني وبالدلالات، وهذا بالإضافة إلى سحر الإيقاعات الأفريقية الساخنة، وإلى سحر الألوان في الأزياء وفي الإضاءة المسرحية، مما يجعل المسرحية السودانية تعييدا احتفاليا قريبا جدا من روح الجمهور، قبل ان تكون قريبة من سمعه ومن اعينه، وفي هذا المسرح تجريب شعبي هادئ، يتجلى ذلك بأفي الطبول وفي الإيقاعات وفي الأقنعة التي تربط العالم المحسوس بعالم ما وراء الطبيعة
في هذه الاحتفالية الأفريقية مناخ افريقي، وفيها طقس افريقي، وفيها حكي افريقي، وفيها لغة مسرحية افريقية، وإلى جانب كل الألوان والظلال التي نراها، هناك الوان اخرى خفية لا يمكن ان تراها العين، وإنني بالمناسبة اهنئ اصدقائي المسرحيين السودانيين على هذا الوفاء للذات, والذي نجد له ما يشبهه لدى سنغور في دعوته للزنوجية، وفي الاحتفالية السودانية زنوجية جميلة ونبيلة
اما الفنان الاحتفالي الشامل جناح التامي، والذي كان ومازال احد الأعمدة التي قامت عليها الفلسفة الاحتفالية، مدعومة بكل فنونها و آدابها وعلومها، فإننا نجده يقول، في احد تعليقاته، ما يلي:
(و قلب الكلام هي الاحتفالية التي توحي بكونية سؤال المطر الاحتفالي، والذي يحيي الأرض والعباد، و يصنع ألوان الربيع و صيف البحار وخريف الأشجار وهجرة النوارس وشتاء الشعراء . ودفىء العائلات، أما خير الكلام فهو ماقيل في المثال : “من يولد في الرياح لا يخشى العواصف ”
أما الحياة لن تكون كقدر “أنطوني كوين ” ولد و أمه تجري في قلب الحرب الأهلية المكسيكية. سقط منها ولم تقتله الخيول . أليس القدر احتفاليا أيضا ؟)
هذا الاحتفالي يعشق الطبيعة، ولا وجود لأي احتفالي لا يحب الطبيعة، ولا يحب الإنسان في هذه الطبيعة، والذي هو اجمل وانبل ما في هذه الطبيعة، وهو يؤمن بأن الاحتفالية الأولى في الوجود قد بدات وتبدا دائما من هذه الطبيعة، وتبدأ من الوانها ومن انوارها ومن ظلالها، ومن اصواتها الموقعة ومن سحرها الظاهر والخفي، وقد يشعرك فصل الخريف بان هذه الطبيعة ماتت، ولكنها تعود للحياة مع كل ربيع جديد، تعود وهي في جسد وروح احتفالية جديدة، ساحرة ومبهرة، وهذا هو المعنى الحقيقي العيد والتعييد، حيث تستعيد حياتها وحيويتها، وحيث يستعيد الانسان فرحه وبهجنه، وعن احتفالية هذه الطبيعة قال الشاعر البحتري
اتاك الربيع الطلق ضاحكا حتى كان من الحسن ان يتكلم
ويمكن ان نتساءل، ما الذي اضحك الرببع؟ ربما هو نفس الشيء الذي اضحك البحر في الأغنية المصرية القديمة، والذي جعل المغني يتساءل ( البحر بيضحك ليه؟) وما يضحك بكل تاكيد هو تلك اللحظة العيدية الصادقة التي نقتنثها او نختلسها من بنك الأيام والليالي
فصل الربيع اذن يعود، ونحن على بعد خطوات قليلة من عبد الطبيعة، وإذا عالم النبات يحتفل ويعيد، فلماذا لا يحتفل الإنسان في عالم الإنسان ؟
هذا الربيع فعلا يضحك، ومن حقه ان يضحك، ونحن نحس هذا الضحك وإن كنا لا نراه، وهو يتكلم ايضا، وكل ذلك بغير كلام، وكذلك هي المسرحية الاحتفالية دائما، فيها ضحك جاد، وهي فرح يكشف غن فيض ارواح وعن فيض عقول وعن فيض نفوس
اما ذ. محمد هلال، والذي تهمه في هذه الاحتفالية، ليس الفرجة وحدها، ولكن تهمه راحة الأرواح فيها قبل كل شيء، فإنه يقول الكلمة التالية:
(تبارك الله عليك استاذي الكريم. هذه الاحتفالية التي قد تفضي إلى راحة البال تشكل ثورة هادئة في عالم الجزع و الخوف والتخويف. جزاك الله خيرا على هذه الإطلالات و النفحات الملهمة. تحياتي الأخوية)
عالم متعب ومرعب، هو هذا العالم، والذي فرض علينا أن نحياه كما هو، والذي يصر المشاغب الاحتفالي على ان يعيد بناءه وتركيبه من جديد، متسائلا دائما، اهو ضروري ان نكرر قبح هذا العالم، وذلك في آدابنا وفي فنوننا وفي إلداعاتنا المختلفو، وذلك بدعوى الواقعية؟ مع العلم ان الفن ليس هو ما يقع، ولكن هو ما كان ينبغي ان يقع، لعطب ما في الأيام او اعطب ما في عقول ونفوس بعض الناس، حتى لا اقول كل الناس
يقول جلال الدين الرومي (الحب لا يمكن تفسيره ولكن هو يمكن ان يفسر كل شيء) كما قال ايضا (خلق الله المحبة،كيف يمكنك ان تكون في حالة حب، من غير ان تكون مع الله) ونحن في هذه الاحتفالية نسعى من اجل ان نكون مع الله، وان تكون مع عيال الله وأصدق ما هذه الاحتفالية هو الحب، واعظم ما خلق الله هو الحب، وان اسوا ما خلق الإنسان هو الكراهية وهو الحقد وهو الحروب
وعن هذا الحب نعود إلى جلال الدين الرومي الذي قال (الحب لا يمكن تفسيره ولكن هو يمكن ان يفسر كل شيء)
ونفس الشيء يمكن ان نقوله عن هذه الاحتفالية، فقد لا يكون بمقدورخا ان تفسر كل شيء فيها وفي عالمخا وكونها، ولكنها على يقين كامل، بانها يمكن ان تفسر كل شيء في الوجود، وان تفسر كل شيء في الواقع، وان تفسر كل شيء في التاريخ
الدخول الى المسرح ليس مثل الخروج منه:
ومرة أخرى اتساءل، والمعروف عن تساؤلات الاحتفالي هو انها تتجدد دائما، من غير ان يكرر بعضها البعض، لأن الاحتفال حياة وحيوية، وفي التكرار جمود وموت، وفي هذا التساؤل القديم ـ الجديد اقول ما يلي:
ــ ما الذي قادنا نحن الاحتفاليين إلى هذا المسرح؟
وفي الجواب اقول ما يلي :
لأن هذا المسرح هو كون اخر، وهو عالم اخر، والروح التي تسكننا اكبر وارحب من هذا العالم الواقعي، ونحن ندخل هذا المسرح كما ندخل الحمام في حياتنا اليومية، ونوكد دائما على المثل الشعبي ( دخول الحمام ليس مثل الخروج منه) وبالتاكبد فإن من يدخل المسرح، ويخرج منه، من غير ان يتغير فيه شيء، فإن احتفاله المسرحي باطل ولا معنى له
نحن نخرج من الحمام وقد تطهرنا جسديا، والمفروص ممن يخرج من المسرح ان يخرج باحساس جديد وبوعي جديد وبرؤية جديدة
وبحال جديد، والا فما معنى ان يحل هذا العالم المسرحي من غير ان يتغير فينا اي شيء؟ وان نخرج كما دخلنا، بنفس الحال السابق
هذا المسرح هو الاحتفال وهو العيد، وهل هناك عيد بلا جديد ولا تجديد، في الرداء وفي ما خلف الرداء؟ ولقد اجتمع في هذا التعييد المسرحي ما تفرق في غيره، فهو مكان، وهو فضاء، وهو مناسبة احتفالية واحتفائية عامة، وهو آداب وفنون وعلوم، وهو مهن وصناعات، وهو لحظة شعرية لا تشبه كل اللحظات اليومية العادية
وهذا المسرح هو المعبد قديما، وهو المسجد حديثا في المجتمعات الإسلامية، وأيضا في كل وقت وحين، وهذا المسرح هو البيت الجماعي في كل زمان ومكان، وهو الفضاء الجماعي الذي تلتقي فيه الأجساد والأرواح، وتتحاور فيه الأفكار، وهو بيت من لا بيت له، والناس فيه سواسية، ولا تراتبية في هذا العالم الرمزي والحلمي والعيدي والاحتفالي، والذي لا يكرر الواقع، ولا يضاعفه، ولكنه يخالفه، ويختلف عنه، ولو كان ما بداخل هذا المسرح هو نفسه الموجود خارجه، ما كان ممكنا أن تكون له كل هذه القيمة وكل هذا السحر وهذه الشعرية، فهو المرآة، وأصدق كل المرايا هي المرايا المسرحية الصادقة، ولا بأس ان تكون هذه المرايا مشاغبة ومشاكسة وماكرة، وبالتاكيد فنحن لا نرى وجوهنا في هذه المرآة بلا معنى، ولما كان لوجود هذه المرآة في حياتنا اي معنى، وهل نحن ننظر الى هذه المرأة، صباح مساء، إلا من أجل أن نعدل وان نصحح وان نزيل ما في هذه الوجوه من أوساخ يمكن أن تؤذي العين؟
إن دور مرآة المسرح هو أن تعدل وان تقوم، وأن تصحح ايضا، وأن تضبط إيقاع الحياة اليومية، وأن تعيد التوازن للأشياء والأفكار وللحالات والعلاقات والمؤسسات التي يمكن أن يلحقها الخلل والخطأ والعطب، وعليه، فإنه لا معنى لأية مرآة لا تقوم بدورها، ولا تفضح، ولا تعري، ولا تكشف، ولا تشير إلى الأعطاب بجرأة صادقة، ولا تعالج الأمراض العقلية والنفسية والأخلاقية، وما كل المسارح تقوم اليوم بهذا الدور، والذي هو دورها الحقيقي، وما كلها قد قامت بالأمس بدورها الحقيقي، و(لقد قام المسرح الأوربي في عصر النهضة والتنوير على سبيل المثال على دعامة كنسية، وقد كانت المسارح ـ في بنيتها وهندستها ـ تتكون من كراسي وخشبة هي بمثابة المذبح، كما كانت هذه المسارح مهندسة بشكل إقطاعي، فكانت الشرفات الخاصة بعلية القوم، وأماكن أخرى مخصصة للعامة تسمى خم الدجاج، ولقد كان هذا في الرؤية الاحتفالية، وأشياء كثيرة، نشاز يتعارض مع جوهر وروح المسرح، ويتعارض مع البعد الإنساني والكوني فيه، وكان اعتداء على المعنى الحقيقي للاحتفال، والذي هو التلاقي الإنساني الحر والمفتوح، وذلك خارج الأوضاع الاجتماعية، وخارج منطقها القائم على الفصل والتمييز وعلى التراتبية) هكذا نطق الاحتفالي في ذلك الحوار المطول في جريدة (المساء) المغربية, والذي استمر لظهور طويلة، ولقد تجرى هذا الحوار الصحفي الاديب والإعلامي الأستاذ رشيد عفيف
اخراج المسرح من المسرح:
ولعل أوجب الواجبات اليوم، بالنسبة للمخرج المسرحي، أمام الجمهور المسرحي، هو أن يخرج المسرح من المسرح، وأن يذهب بالفعل المسرحي إلى حيث الناس، وألا يجعله مجرد أحجار في بناية ثابتة وجامدة تسمى المسرح، لأن من طبيعة المسرح أنه فعل متحرك، وأنه لا يمكن أن يحيا ويعيش إلا بالحركة وفي المحتمعات الحية والمتحركة
وبالتأكيد، فإن ذلك الوضع الذي كان قائما في ذلك السياق القديم لم يعد له وجود اليوم، ولم تعد للكنيسة ذلك الدور الكبير والخطير، ولم يعد للإقطاع نفس قوته وسلطته، فهذا عصر الإنسان الشعبي والبسيط، وعليه، فلا معنى لوجود مسارح (جديدة) بعقليات وذهنيات ومعايير وبنيات هندسية وحسابات جمالية وفكرية وتقنية قديمة جدا
ولأن هذه الاحتفالية اليوم، والتي هي تيار فكري وجمالي وأخلاقي، تقدر الإنسان، وتقدس الإنسانية، وتقدر الحياة والحيوية، وتقدر المدينة والمدنية، فهي بالضرورة ضد مفهوم العرض وضد مفهوم الاستعراض، وضد مفهوم المخرج العارض والمخرج المفسر والمخرج المترجم والمخرج الزعيم والمخرج الواعظ، لأن الممثل في هذا المسرح الجديد، لا يملك اليوم إلا جسده، وهذا الجسد ليس شيئا، وليس بضاعة، وليس سلعة، حتى يمكن أن يعرض ويستعرض، وفي هذا المعنى يقول المفكر الاحتفالي
(ولقد تساءلت دائما عن معنى مفهوم العرض في المسرح، ومن يعرض لمن، ومن العارض ومن المعروض له، ومن هو الشخص ـ البضاعة المعروض للتفرج عليه؟
ومن أكون أنا حتى أتفرج عليك أنت، وما ذنبك أنت حتى تكون مجرد فرجة؟
مثل هذه العلاقة لا تليق بالمسرح، ولا تليق بإنسانية الإنسان، ومثل هذا المسرح لا يليق بمجتمع الحرية والعقل والندية والمشاركة والاقتسام، وهو تصور لا يقدر قيمة الإنسان، ولا يحترم مواطنته التي لا تقبل الترتيب في درجات متفاوتة، ولقد رأيت دائما أن مجتمعا لا يقوم على الحب والتكامل لا يمكن أن يكون مجتمعا للمسرح الحقيقي، وأنه بذلك مسرح للعبودية المقنعة بأقنعة الفن، حيث يضحك فيه السيد على عبده وخادمه، وحيث يستمتع المالك بجاريته أوبمغنيته، أو بما يقول شاعره فيه من مديح كاذب، وفي مقابل هذه العلاقة الإقطاعية، فقد كان تراثنا الشعبي المغربي، في احتفالياته العيدية، مثل أحيدوس وأحواش وعيساوة وغناوة يقوم على الروح الجماعية، حيث الجمهور هو مؤسس احتفاله، وهو الفاعل والمتفاعل والمنفعل فيه، وكل من يلحقه الحال يدخل إلى الحلبة، ويصبح جزء من “الحضرة” الاحتفالية أو الطقوسية، ويتم كل ذلك في حلقية دائرية، ليس فيها مصطبة عالية، وليس فيها ستارات، حقيقية أو وهمية، تفصل بين المتخيل والحقيقي، وليس فيها كواليس يختبئ فيها العارضون، وليس هناك فرق بين من يدفع ومن يأخذ، وبين من يصنع الفرجة ومن يستهلكها، لأن مفهوم الفرجة في فعل الاحتفال لا وجود له، ولا معنى له، وأعتقد أن مثل هذا الانقلاب، من الفرجة إلى الاحتفال، ومن الرؤية ذات البعد الواحد إلى الرؤية العامة والمشتركة المشاركة، ومن الانفعال إلى الفعل، هو الذي أعطى لهذه التجربة الاحتفالية قيمتها وخطورتها، والذي جعلها تخلخل كل الأسس التقليدية للمسرح التقليدي والمدرسي القديم، وهي بهذا محاولة لقلب كل النظام المسرحي المعروف والمتعارف عليه، والذي كان في البدء نظاما إقطاعيا، ثم أصبح من بعد نظاما كلونياليا، يقوم على احتقار الآخر، وعلى تحويله وتحويل قضاياه الحية إلى مجرد فرجة) من نفس حوار جريدة ( المساء) المغربية
المسرحية من العرض إلى الحفل:
المطلوب اليوم إذن، هو الانتقال بالفعل المسرحي، من العرض إلى الاحتفال، ومن التفرج إلى التعييد، ومن الحكي إلى المحاكاة، ومن التمثيل إلى التمثل، ومن استبداد المخرج إلى المشاركة والاقتسام، مع كل الشركاء في العملية الإبداعية، والتي يمثلهم فيها الممثلون و( الجمهور) وكل العاملين التقنيين في المسرحية، وهذا التغير الذي حصل في شبكة العلاقات داخل المسرحية الحديثة والمعاصرة لم يكن صرعة موسمية عابرة، ولم يكن مجرج تجريب شكلاني يتوخى الإدهاش والإبهار، ويسعى لتحقيق التجديد الشكلاني والبراني فقط، كما أنه لم يكن اختلافا تقنيا للاستعراض النرجيسي للأشياء المختلفة والمثيرة والمبهرة، ولكنه كان فعلا حضاريا نابعا من إيمان المسرحيين في عصر الإنسان والعلم والفكر بالإنسان وبقيمة الإنسان وبقدسية الخطاب المسرحي، وعليه، فقد كانت الاحتفالية، والتي جاءت في هذا السياق الحضاري والفكري والعلمي والجمالي، كانت ثورة حقيقية ضد النظام الإقطاعي وضد النظام الاستعبادي وضد النظام العشائري وضد النظام الاستعماري وضد النظام العولمي المتوحش.
هو إذن نظام مسرحي واحد، ذلك الذي تبشر به الاحتفالية وتدعو إليه، عبر كل تاريخها، ومن خلال مختلف بياناتها وأدبياتها وإبداعاتها الفكرية والفنية المختلفة، وهو نظام إنساني ـ مدني، أولا وأخيرا، وذلك في عالم جديد ومتجدد على الدوام، ومتمدن ومتحضر وراق بشكل حقيقي، هو نظام فكري وجمالي وأخلاقي وسياسي يؤمن بالتعدد داخل الوحدة، ويؤمن بالاختلاف في المتغيرات وليس في الثوابت المبدئية، وفي القيم الإنسانية الخالدة، وهو الدعوة لعالم واحد أوحد، ليس فيه عالم أول ولا عالم ثان ولا عالم ثالث، وليس فيه ما قبل الإنسان، ولا فيه ما بعد الإنسان، ولا فيه الإنسان الأعلى ( السوبرمان) ولا فيه الإنسان الأدنى، وفي هذا المعنى يقول المفكر الاحتفالي (لقد جاءت الاحتفالية لتطالب بتوحيد الإنسان، ولتعيد له كرامته، ولكي تملّكه المؤسسة المسرحية، وأن يصبح فيها مالك خطابه، وأن يكون هو المحتفل وصاحب الحفل في نفس الآن، ولهذا فقد رفع الاحتفاليون دائما شعار (إنسانية الإنسان وحيوية الحياة ومدنية المدينة) وقالوا بأن المدنية ليست مقابل القرية، ولكن هي الحضارة وهي التمدن، وهي الرقي الجمالي والأخلاقي وهي السمو الوجداني والروحي في المسرح وبالمسرح (وهذا الإنسان لا يمكن أن يكون إنسانا، بشكل كامل وحقيقي، إلا إذا كان حاملا لقيم إنسانية حقيقية، وذلك في مجتمع إنساني حقيقي، ولهذا فلم تكن ثورتنا مسرحية فقط، ولكنها كانت ثورة اجتماعية وأخلاقية وسياسية قبل كل شيء، لأن المسرح المسرحي هو مجرد صورة مصغرة للمسرح الوجودي الكبير) نفس المرجع السابق.






