الواجهةثقافة وفنون ومؤلفات

لا احتفالية إلا بالانسان و لا إنسان بلا احتفالية

عبد الكريم برشيد

فاتحة الكلام

يقول الاحتفالي ليس من قبيل العبث ان يؤكد الاحتفالي المفكر والمبدع، زفي كل كتاباته ومواقفه على:
اولا على ( إنسانية الإنسان)
وثانيا على (حيوية الحياة)
وثالثا على (مدنية المدينة)
وهل يعقل الحديث عن امكانية وجود إنسان بلا إنسانية، ووجود حياة ميكانيكية خالية من الحيوية، ووجود مدينة فيها دور وشوارع واسواق وبنايات عالية، ولكن بدون حياة ولاحيوية ؟
بالتاكيد لا يعقل، لأن الأساس هو ان تكون في المدينة حياة, وان يكون بها احباء، وإلا كانت مجرد مقبرة في صورة مدينة
وهل يمكن تمثل وجود (حياة) بها اجساد و ظلال وصور متحركة ولكن بلا حياة وبلا حيوية وبلا طاقة إنسانية حية متجددة؟
وما الذي يمكن ان يبرهن به الإنسان على انه فعلا حي بين الأحياء، وانه ليس ميتا بين الأموات، سوى أن يفعل ما يقنع بانه ليس حجرا وليس شيئا من الاشياء، وعليه ان يفعل، وان ينفعل، وان يصنع، وان يبدع، وهو يقول لكل الناس، وباعلى صوته
ــ انا افعل و انفعل، إذن فأنا حي
وما اسهل ان تؤكد للناس بانك فعلا موجود، لأن الحجر ايضا موجود، ولأن الظلال ايضا موجودة، وما اصعب ان تقنع الناس بانك حي، وبان حياتك الداخلية اكبر وأخطر من حياتك البرانية،
وحتى تكون إنسانا، وتكون حيا فعلا، وتكون مواطنا مدنيا، فإن عليك أن تغضب ايضا، إذا كان هناك ما يدعو الغضب، وان تحتج، اذا كان هناك ما يستدعي الاحتجاج، وان تتمرد على كل قانون يمكن ان يمس إنسانيك، وأن يمس كرامتك الانسانية، وان تفكر في شرطك الوجودي، وان تفكر في موقعك الاجتماعي، وان تعبر عما تراه وما تحياه، وان تجدد القديم في حياتك وفي حياة فنك وفي حياة فكرك وفي علمك وفي حياة معلوماتك
وهل من المنطق تصور وجود مدينة بلا مدنية؟
وفي فضاء الغاب يجوز الحديث عن الحيوان، وعن الوحش،دكما يجوز الحديث عن منطق الغاب وعن شريعة الغاب، ولكنه في فضاء المدينة المتمدنة فإنه لا يمكن الحديث إلا عن الإنسان الإنسان، وعبر كل مسار المسرحي الاحتفالي، ومن خلال كل كتاباته و بياناته، وعبر كل مواقفه، فإن كل ما كان يسعى إليه هذا الاحتفالي هو الإنسان، وهو في كامل انسانيته وهو في كامل مدنيته وهو في كامل حياته وحيويته وهو في كامل زينته و جمالياته، وهو في كامل عقلانيته،
وهو في كامل اخلاقياته، وبخصوص المدينة الاحتفالية، والتي هي حلمنا الأكبر، والتي قد يكون وجود في مكان من الأماكن او في اي زمان من الازمنة، فإن الاحتفالي لا يبحث إلا عن نفسه، ولا يبحث إلا عن مدينته، ولا يبحث إلا عن نظام حياته الحقيقي، ولاةيبحث إلا عن منظومته الفكرية والجمالية والأخلاقية الحقيقية، والتي تليق بإنسانيته ولكرامته الإنسانية، وتليق بحياته وبحيوته، وتليق بمدنيته، واي مستقبل يمكن ان يكون لإنسان في مدينة بدرجة غاب؟ مدينة كل احكامها وكل قوانينها من وحي شريعة الغاب؟
من الإنسان الإنسان إلى الإنسان الآلة:
في هذه المدينة الاحتفالية يبحث الاحتفالي عن الإنسان الحي وليس عن الإنسان الآلة، ويبحث عن الإنسان المتمدن وليس عن الإنسان المتوحش، ويبحث عن الإنسان الكامل و الشامل، ويبحث عن الإنسان المتميز، وليس عن الإنسان الممتاز، ويبحث عن الإنسان الحي، وليس عن الإنسان الشيء، ولا عن الإنسان البضاعة، ولا عن الإنسان السلعة، ولا عن الإنسان الرقم الزائد، والذي ليس له معنى
وليس من قبيل العبث ايضا، ان هذا الاحتفالي المبدع قد أكد دائما على ان الإبداع الحق حرية وتحرر، ولقد صاغ هذه القناعة في المقولة الاحتفالية الشهيرة، والتي هي
( المسرح هو التعبير الحر للإنسان الحر في المجتمع الحر)
والإنسان جسد نعم، وابرز وأصدق ما في هذا الجسد هو عقله وهو وجدانه وهو روجه وهو خياله وهو عاكفته ومشاعره، وهو كرامته الإنسانية، وهذه الكرامة لا تقبل ان تباع، او ان تشترى، او ان تقتبس، او ان تستعار من اية جهة من الجهات، ولو بكل اموال العالم
وفي هذا المجتمع الانساني والمدني و الحيوي، يكون المواطن ملزما بان يلعب دوره، وان يكون الرجل رجلا حقيقيا بين الرجال الحقيقية، وان نكون المراة امراة حقيقية بين النساء الحقيقيات، وان يعيش كل واحد حياته، وهو في درجة المناضل الوجودي الأبدي، وهو في درجة الفارس، وان يؤسس مع فرسان الفكر والفن والعلم عصرا جديدا للفروسية الجديدة، وان يكون مثل عنترة العبسي الذي قال لعبلة انه (يغشى الوفى ويعف عند المغنم)
وفي هذا المعنى يقول الاحتفالي، قوي انا امام كل الناس اجمعين، وضعيف انا امام قوة وقدرة وحكمة رب العالمين، والمؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، والفنان القوي خير من الفنان الضعيف، والقوة الإنسانية خير من القوة الوحشية والقوة الناعمة خير من القوة العنيفة، والفنان الذي يعطي بغير حساب خير من الفنان المتسول، ومن يقف امام باب بالكريم خير ممن يقف امام اللئيم، وهذا هو الذي جعل الاحتفالي يقول نفس ما قاله عنترة العبسي
اغشى الوغى و اعف عند المغنم
كرامة الإنسان من كرامة الأوطان:
وانا الاحتفالي أومن بالاحتفال والاحتفالية، و أؤمن بالعيد وبالعيدية، واعتبر ان هذه الاحتفالية هي نظام حياة قبل كل شيء، وهي فلسفة حياة، قبل ان تكون مجرد صيغة فنية في المسرح، وفي كل الفنون المتعلقة بالمسرح
واقول واكتب دالما بانه من حقي، انا الإنسان ان احيا حياة الإنسان، وان انعم بكرامة الانسان، وان اكون مواطنا حرا في الوطن الحر, وان اكون غنيا في الوطن الغني، وان اكون قويا في الوطن القوي،
وبخصوص قوة الاحتفالية فإنني اقول ما يلي، هي ليست مستمدة من قوة الاحتفاليين ولا من موقعهم في المجتمع، ولا من نظام يستظلون به، ولا من اموال يستقوون بها، وفي هذا المعنى يقول ذ. الطيبي محمد احمد
(قوة الاحتفالية في قدرتها على الاستمرار في إنتاج أسئلة جديدة وفتح آفاق جمالية وفكرية والدخول في حوار نقدي مع النظريات المسرحية العالمية، لأن كل نظرية لا تُختبر بالنقاش والتطبيق تظل معرضة لأن تتحول إلى خطاب احتفائي أكثر منها مشروعا معرفيا)
صدقت اخي، والاحتفالية اجتارت امتحانات كثيرة نجحت فيها كلها، ولقد فتحت كل ابواب الحوار، وانتظرت من يجادلها فكريا، وانتظرت من ياتي بعكس ما اتت به وبأحسن ما اتت به،
اما د. نور الدين الخديري فقد قال ( في الحقيقة، هذا السرد المسرحي الماتع، هو ليس فقط استحضارا لألق المسرح الاحتفالي ووقوفا عند محطاته التاريخية العابرة للبلاد العربية فحسب، بل يأتي في سياق الاعتراف برموز مسرحية مغربية/ عربية أسهمت في هذا الألق، وأمدته بأسباب الاستمرارية المنفتحة على الجديد والمتجدد، وهو أيضا انتصار للمسرح المغربي بكل حمولاته الفنية والجمالية والإنسانية. كل المودة والتقدير أخي العزيز الدكتور عبد الكريم برشيد، على هذا الربط المتواصل بين الماضي والحاضر، تحقيقا لمسرح أقوى في المستقبل)
والاحتفالية اختبار، هكذا يقول الاحتفالي دائما، وهي اختيار واحد من بين ملايين الاختيارات الممكنة الأخرى والحق في الاختيار لا يمكن مصادرته، وهو يندرج ضمن القانون الاحتفالي الذي يؤكد على ( التعبير الحر للإنسان الحر في المجتمع الحر،) وفي هذا المعنى يدور الحوار التالي, بيني وبين الممثل في كتاب ( الرحلة البرشيدية)
(وأنت يا صاحبي ماذا تختار؟
(أنا؟ أنا أختار ما هو جاد في غير تجهم، وأختار ما هو إضحاك في غير إسفاف، وأختار ما هو طبيعي وواقعي، وأعرف أن أجمل ما في الطبيعة غناها، وأن أروع ما في الواقع شاعريته، وأختار ما هو بسيط وسهل أيضا، وأعرف أن أخطر ما في البساطة صعوبتها الخفية، والتي لا يقدر عليها إلا القادرون.. )
وفي هذه العيدية فلسفة نظرية، ولي فيها مواقف حياتية، ولي فيها إنجازات إبداعية حية، وأرى أن الرؤية العيدية لا يمكن أن تكتمل إلا بأن تكون إنسانية بشكل كامل وكلي، وأن تكون جديدة ومتجددة مبنى ومعنى، وأن تكون حية حياة حقيقية، وأن تكون مدنية أيضا، وأن تكون عامة وشاملة ومتكاملة، وأن تكون مؤثثة بالحسن والجمال، وأن تكون معززة بالإنشاد الشعري الغنائي والملحمي، وأن تكون مسكونة بالانتشاء الصوفي، وأن تكون ممتلئة لحد الفيض بالوجد الروحي، وأن تكون متحلية بالعربدة الفكرية والوجدانية، وأن تكون محكومة بالفوضى المنظمة وبالهذيان الخلاق وبالعيش الحقيقي والكامل والمتكامل، والذي يتقاطع فيه المأساوي والملهاوي لحد الانصهار، وعليه، فإنه لا يعقل أن نفصل في هذا العالم بين ما لا يمكن أن ينفصل، ولا يمكن أن نفك الارتباط بين الحالات الوجودية المتداخلة والمتفاعلة، ولهذا، فإنه لا مجال اليوم للحديث عن شيء يسمى الضحك الخالص، أو يمكن أن يسمى الكوميديا خالصة، لأن كل ما في حياة المسرح ـ في ومسرح الحياة ـ هو تفاعل كيميائي ونفسي وذهني ووجداني وروحي بين كل العناصر المتعددة والمختلفة فيه. إن الليل يحاور النهار، والنور يجادل الظلمة، والصمت يجادل الكلمة، والضحك يعارك البكاء، والموت يتحدى الحياة، ورغم كل ملايين الموتى الذين مازالوا يموتون ـ أو يقتلون ـ فإن هذه الحياة تظل حية أبدا ولا تموت)
اخر الكلام
ولا يمكن أن أنهى هذا المقال من دون ان اتساءل عن الوضع السيء الذي آل اليه المسرح المغربي والعربي اليوم، وما الشيء الذي ضيعه هذا الإنسان المدني في حياته حتى كاد ان يضيع منه المسرح؟
ونعرف ان المسرح حفل واحتفال، وهل يعقل ان نحافظ في حياتنا اليومية على كل الاحتفالات الشعبية المختلفة، وان تضيع الاحتفال المسرحي وحده؟
وهل ضيعنا الحاجة إلى المسرح؟
والمسرح حاجة اساسية وحيوية في حياة الشعوب والأمم عبر التاريخ، وما الذي جعلنا تضيع حاجتنا للمسرح؟ وهل هناك في كل المخترعات الحديثة ما يمكن ان يقوم مقام المسرح؟
وهل نكون في نظام عيشنا الجديد قد فقدنا روح الجماعية، واننا فقدنا عشق التلاقي، واننا لم نعد ـ كما كنا ـ تحمل الأسئلة الحارقة، وتبحث لها في المسرح وفي الكتاب وفي الملتقيات الثقافية والعلمية والفكرية عن الأجوبة؟
وهل لأنه لم يعد لدينا اليوم ما نقوله للناس، وان كل الناس لم يعد لهم ما يقولونه لنا ؟
وهل لأننا ضيعنا حب الناس، وضيعنا جماليات التلاقي الاحتفالي في المكان العام، وأننا قد ضيعنا الاختلاف المدني الحضاري حول القضايا المشتركة؟
وهل لأننا اليوم لم نعد نقدر على الحوار الديمقراطي، لأننا لم نعد نحسن طرح السؤال الذي تستوجبه المرحلة التاريخية، والذي يستوجبه الموقف اليومي، و يستوجبه الفضول الفطري من اجل ان نعرف انفسنا أولا، وان نعرف الآخر ثانيا، وان نعرف كيف
نفهم هذا الآخر، وكيف نتفاهم معه ثالثا، ونعرف كيف نحاوره وكيف نقنعه، وكيف يمكن ان نقتنع بما يقول لنا، وبما يكتب من كتابات وبما يقترح من اقتراحات
وفي عصر الصورة هذا، هل يمكن ان تنوب الصورة في الشاشة عن التلاقي الإنساني الحي ؟
وهل يمكن ان نتوقف عن فعل التفكير، وان نلغي ذكاءنا البشري، وان ندع ذكاء الاصطناعي پفكر لنا؟
ولكن اين الذوق واين الحلم واين العاطفة واين الاحساس واين الفرح واين البهجة واين الحنين وابن الشوق في كل هذا الكم الهائل من المعلومات؟ ولماذا نصر فقط على ان نعرف، اذا لم يكن في هذه المعرفة ما يسعدنا وما يبهجنا؟
هناك كلمة مشهورة تقول ( عندما نحب الحياة نذهب الى المسرح)
وهي تنطبق على المسرح اكثر مما تنطلق على السينما، لأن الصور هي صور من الحياة، ولكن المسرح هو الحياة، ولهذا يكون من حقنا ان تتساءل، هل فقدنا حب الحياة و فقدنا جمالياتةد الحياة بابتعادنا حياة المسرح وعن مسرح الحياة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى