24 ساعةأحزابأخبار وطنيةالواجهةعالم السياسةمجرد رأي

السياسة ليست حكاية: عندما يتحول بعض الزعماء إلى “حكواتيين”

بقلم عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

في زمن الأزمات العميقة التي يعيشها المغرب، اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، ينتظر المواطن من السياسيين أن يقدموا مشاريع واضحة، وبرامج إصلاح حقيقية، ومواقف شجاعة في مواجهة الفساد والإستبداد و الريع والاحتكار والظلم. لكن ما نراه في الواقع هو العكس تماماً: سياسيون يملؤون الفضاء العمومي بالحكايات والنكت وكشف كواليس المجالس، وكأن السياسة تحولت إلى مقهى كبير لتبادل الطرائف بدل أن تكون فضاءً لصناعة القرار وبناء المستقبل.
ومن بين أبرز رموز هذا الانحدار في الخطاب السياسي، نجد عبد الهادي خيرات الذي قضى عقوداً داخل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، قبل أن يظهر في آخر محطات مساره السياسي ملتحقاً بحزب حزب التقدم والاشتراكية من أجل ضمان مقعد برلماني . انتقال متأخر لا يحمل أي دلالة فكرية أو سياسية، وكأنه مجرد انتقال إداري في نهاية المسار. فالرجل الذي عاش سنوات طويلة في قلب السياسة لم يخرج على المغاربة بمشروع سياسي أو رؤية إصلاحية، بل خرج عليهم بسيل من الحكايات عن اجتماعات وكواليس ومواقف، وكأن ذاكرة المجالس أصبحت بديلاً عن الفكر السياسي.
وفي الضفة الأخرى يقف عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب حزب العدالة والتنمية و رئيس الحكومة السابق ، الذي حكم المغرب لسنوات وقاد الحكومة و قاد البلد الى الجحيم، لكنه ما زال إلى اليوم يشتغل بنفس الأسلوب: أسلوب النكتة السياسية، والحكاية الشعبية و السب والشتمو القدف لخصومه و كل من يعارضه ، واسترجاع ذكريات السلطة. خطابات طويلة مليئة بالطرائف والقصص، لكنها فارغة من أي مشروع سياسي حقيقي يعالج مشاكل المغاربة أو يقدم تصوراً واضحاً لمستقبل البلاد.
والحقيقة التي بدأت تتكشف للكثيرين هي أن هذا النوع من الخطاب ليس بريئاً، بل هو في كثير من الأحيان وسيلة للهروب من الأسئلة الحقيقية:
أين المشروع الاقتصادي؟
أين الرؤية الاجتماعية؟
أين البرنامج لمحاربة الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى والاحتكار ونهب المال العام؟
إن تحويل السياسة إلى “فرجة كلامية” هو أخطر أشكال إفراغها من مضمونها. فالشعوب لا تبني مستقبلها بالحكايات، ولا تحقق العدالة الاجتماعية بالنكت السياسية، ولا تقضي على الفقر والبطالة بكشف أسرار المجالس.
المغرب اليوم لا يحتاج إلى سياسيين يجلسون على المنصات ليرووا القصص ويضحكوا الجمهور، بل يحتاج إلى رجال دولة يمتلكون مشروعاً مجتمعياً واضحاً، وأخلاقاً سياسية رفيعة، وشجاعة حقيقية في مواجهة لوبيات الفساد والإستبداد والمال والنفوذ.
لقد تعب المغاربة من السياسي الذي يتقن الكلام ولا يتقن الفعل، ومن الزعيم الذي يحفظ النكت أكثر مما يحفظ برامج الإصلاح. فالأمم لا تبنى بالحكايات، بل تبنى بالأفكار، بالمشاريع، وبالرجال الذين يدافعون عن مواقفهم بشجاعة حتى النهاية.
أما السياسة التي تتحول إلى حكاية طويلة بلا مشروع… فهي في النهاية مجرد ضجيج في الهواء، لا يغير شيئاً في واقع الناس ولا يفتح باب الأمل للمستقبل.

من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.

عزيز الدروش محلل وفاعل

عبد السلام حكار

عبد السلام حكار مدير الموقع وصحفي منذ 1998 عضو مؤسس بالتنسيقية الوطنية للصحافة والإعلام الإلكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى