24 ساعةأخبار دوليةالواجهةجرائم وحوادث وقضاياحقوق الإنسان

كرنفال فوق الجراح … حين تُصافح الطبول النعوش

بقلم ذ. سيداتي بيدا

ليس السؤال : هل نحتفل أم لا ؟ السؤال أفظع: كيف نحتفل، وعلى أيّ جثث نقيم منصّاتنا ؟ في آسفي وفاس وغيرها، لم تكن المآسي أرقامًا باردة، بل بيوتًا انطفأت، وأمهاتٍ انكسرت أصواتهن، وآباءً يشيّعون أبناءهم دون أن يفهموا لماذا سبقهم الغياب. في مثل هذا الزمن، يصبح الغناء ـ بلا خجل ـ استفزازًا أخلاقيًا، وتغدو الرقصات إعلانًا غير معلن عن قسوة مُتقنة.

مقاطعة جمهور سوس لمهرجان تيميتار لم تكن نزوة ولا تزمّتًا ضد الفن. كانت صفعة نظيفة لوجه البلادة. كانت تذكيرًا بأن الثقافة ليست ديكورًا يُنصَب فوق الأنقاض، ولا بروتوكولًا يُمارَس دون قلب. الفن الذي لا يرتجف أمام الألم، فنٌّ أصمّ، مهما علا صوته.

نحن نُجيد اختراع الأعذار: “الحياة تستمر”، الاقتصاد الثقافي”، “البرمجة الدولية”. كلمات لامعة تُغطي فراغًا أخلاقيًا فادحًا. نعم، الحياة تستمر، لكن ليس بالضرورة على المسرح، وليس دائمًا تحت الأضواء. أحيانًا، تستمر الحياة حين نخفض الصوت، حين نؤجّل التصفيق، حين نُقرّ بأن للغياب حقًّا علينا.

دقيقة صمت قبل الحفل ليست شرفًا للضحايا؛ إنها مسكّنٌ رمزيّ يتيح للضجيج أن يعود أقوى. الكرامة لا تُختزل في وقفة بروتوكولية، والحداد ليس فاصلًا إعلانيًا بين فقرتين. ما يُطلب أبسط وأصعب: حسّ توقيت إنساني، وشجاعة تأجيل، واعتراف بأن الإنسان يسبق الصورة.

مقاطعة سوس كانت درسًا بليغًا: حين يصير الصمت أبلغ من الغناء. ليست ضد الفرح، بل ضد ابتذاله. ضد تحويل الوطن إلى منصة، والجرح إلى خلفية. فالأمم لا تُقاس بعدد مهرجاناتها، بل بقدرتها على أن تخجل حين يجب، وأن تصمت حين يكون الصمت أصدق أشكال الكلام.

عبد السلام حكار

عبد السلام حكار مدير الموقع وصحفي منذ 1998 عضو مؤسس بالتنسيقية الوطنية للصحافة والإعلام الإلكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى