حين تتحول المحروقات إلى أداة لنهب الشعب
بقلم عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

نداء إلى جلالة الملك
في كل مرة ترتفع فيها أسعار المحروقات في المغرب، يشعر المواطن المغربي أن هناك شيئاً غير طبيعي يحدث. فالمغاربة يعلمون أن بلادهم تتوفر. بحسب القوانين المنظمة لقطاع الطاقة على احتياطي استراتيجي من المحروقات يكفي لعدة أشهر. ولذلك فإن الزيادات المفاجئة والكبيرة في الأسعار، مثل زيادة درهمين دفعة واحدة، تطرح أسئلة عميقة ومقلقة:
هل الأمر يتعلق فعلاً بظروف السوق الدولية؟ أم أن لوبيات المحروقات حولت هذا القطاع الحيوي إلى مجال مفتوح للمضاربة والربح الفاحش على حساب معاناة الشعب؟
إن هذه الزيادات السريعة لا يمكن تفسيرها اقتصادياً فقط، لأن منطق السوق يقتضي أن تنعكس التقلبات الدولية تدريجياً على الأسعار، خصوصاً إذا كان هناك احتياطي وطني يغطي عدة أشهر. أما أن تقفز الأسعار بهذه السرعة، وكأن البلاد تعيش حرباً أو أزمة حادة في الإمدادات، فذلك يثير شبهة قوية مفادها أن الأمر يتعلق بجشع لوبيات اقتصادية متوحشة، وجدت في غياب الرقابة الصارمة فرصة لمراكمة الأرباح الخيالية.
لقد أصبح المواطن المغربي يشعر أن قطاع المحروقات لم يعد يخضع لمنطق المصلحة الوطنية، بل لمنطق الاحتكار والهيمنة الاقتصادية. والنتيجة أن الشعب يدفع الثمن مرتين: مرة عند محطة الوقود، ومرة في أسعار النقل والمواد الغذائية وكل الخدمات المرتبطة بالطاقة.
إن أخطر ما في الأمر ليس فقط ارتفاع الأسعار، بل الإحساس العام بأن الدولة عاجزة عن حماية مواطنيها من جشع هذه اللوبيات. فالحكومة التي يفترض أن تكون حارساً للمصلحة العامة أصبحت، في نظر كثير من المواطنين، جزءاً من المشكلة بسبب تداخل المال والسلطة، وهو أمر يتعارض مع أبسط قواعد الحكامة السياسية والأخلاقية.
ومن هنا يتجه نظر المغاربة إلى المؤسسة التي تمثل الضامن الأعلى للعدل والاستقرار في البلاد، وهي المؤسسة الملكية، ممثلة في جلالة الملك محمد السادس بصفته أمير المؤمنين وحامي الملة و الدين الحقوق والحريات.
ففي المنظور الإسلامي، العدل هو أساس الحكم. وقد قال الله تعالى:
“إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ”،
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
“كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”.
وهذه النصوص ليست مجرد مواعظ أخلاقية، بل هي مبادئ للحكم الرشيد. فالحاكم في الإسلام مسؤول عن حماية الضعفاء من ظلم الأقوياء، وعن منع الاحتكار والربح الفاحش الذي يرهق الناس ويزيد الفقر اتساعاً.
لذلك فإن اللحظة الراهنة تقتضي تدخلاً حازماً يعيد الثقة إلى المواطنين، ويؤكد أن الدولة تقف إلى جانب الشعب لا إلى جانب لوبيات المال. وهذا التدخل يمكن أن يتجسد في ثلاث خطوات أساسية:
أولاً: فتح تحقيق وطني شفاف في أرباح شركات المحروقات منذ تحرير الأسعار، لمعرفة حجم الأرباح الحقيقية وهوامش الربح.
ثانياً: إعادة النظر في نظام تسعير المحروقات، بما يضمن حماية القدرة الشرائية للمواطنين ويمنع المضاربات غير المشروعة.
ثالثاً: محاسبة كل من ثبت تورطه في استغلال النفوذ أو الاحتكار أو التلاعب بالأسعار، لأن دولة الحق والقانون لا يمكن أن تقبل بتحويل قوت الشعب إلى مصدر للإثراء غير المشروع.
إن الشعب المغربي لا يطلب المستحيل، بل يطلب فقط العدل. والعدل هو أساس الاستقرار، وهو الشرط الحقيقي لثقة المواطنين في مؤسسات دولتهم.
ولهذا فإن الرسالة الصادقة التي يوجهها الكثير من المغاربة اليوم إلى جلالة الملك هي رسالة أمل قبل أن تكون رسالة احتجاج:
أن يتدخل لإنصاف شعبه، وأن يضع حداً لتغول لوبيات المال، وأن يؤكد مرة أخرى أن المغرب دولة لا يعلو فيها أحد فوق القانون.
فحين يشعر المواطن أن العدل قائم، يتحمل الصعوبات بصبر وكرامة. أما حين يشعر أن هناك من ينهب ثروات البلاد بلا حساب، فإن الإحباط يتسع ويصبح الخطر أكبر من مجرد ارتفاع في الأسعار.
إن التاريخ يعلمنا أن الدول القوية ليست تلك التي تملك الثروات فقط، بل تلك التي تحمي شعوبها من الظلم. والعدل، كما قال الحكماء، هو أساس الملك.
والمغاربة اليوم ينتظرون أن ينتصر العدل.
من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.
عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي





