محمد حامي الدين يكتب عن جيل زيد:

محمد حامي الدين يكتب:
قرأت لائحة مطالب زاد، فإذا هي تتحدث عن التعليم والصحة كمطلبين أساسيين ،أي حصر المطالب في الشق الاجتماعي، وسمعت عن مخلصين ينصحون أصحاب الاحتجاجات بعدم الاستماع إلى أي من الأحزاب أو التنظيمات، ورأيت تغطية واسعة لهذه الاحتجاجات من طرف الإعلام المتصهين ومن طرف الإعلام المحسوب على دولة خليجية معروفة، وعادت بي الذاكرة إلى حديث بعض الذباب وانتقادهم لمظاهرات رفض التطبيع وتساؤلهم لماذا لا تخرجون من أجل المطالبة بالعيش الكريم ( رغم أن كثيرا من المتظاهرين ضد التطبيع حاضرون في جمبع الاحتجاجات الاجتماعية، وإنما هو تعمد الخلط والتلبيس)، وشاهدت كما شاهد الكثيرون تصرفات غير مقبولة واعتداء على أملاك عامة، تصرفات استنكرها الداعون لهذه الاحتجاجات أنفسهم مما يطرح التساؤل: هل القيام بها تفلت من طرف البعض، أم أمر مقصود على سنة المخابرات الفرنسية في إفشال كل حراك اجتماعي منذ ثورة الطلاب إلى حراك السترات الصفراء…) كما نسجل أن هذه الاحتجاجات تأتي ونحن نتابع دخول الحرب على المسلمين وعلى الانسانية في غزة منعطفا خطيرا جدا ومحاولات التفافية ماكرة وانتقالا إلى مرحلة استعمارية جديدة ….. كل ما عرضته مما لاحظه كل المتتبعين، لكنه يستدعي بعض التنبيهات والاستدراكات: أولا – لا شك أن هذه الاحتجاجات تنطلق من مطالب مشروعة وتمثل جوابا على حالة الاختناق التي يعرفها الوطن منذ البلوكاج المتزامن مع حراك الريف …. والتي تمادت بعد كارثة 8 شتنبر….
ثانيا- إذا كانت حركة الاحتجاجات عفوية في منطلقها، فلا شيء يمنع من التدخل لاستغلالها وتحريف مسارها من طرف فاعلين متعددين داخليا وخارجيا،
ثالثا- التعبيرات الصادرة عن هذه الاحتجاجات والتي تحصر المطالب في الشق الاجتماعي، تطرح التساؤل العميق والصريح حول جدية هذه المطالب، وهل هي مرحلة معينة من الحراك؟ أم هو تصور قاصر يرى إمكانية حل المعضلة الاجتماعية دون أرضية سياسية واضحة؟،
رابعا- الدعوات الصادرة عن الكثيرين باختلاف مشاربهم، ومنهم أصحاب النيات الحسنة والذين لا يشك في وطنيتهم، والتي تؤكد على تحذير أصحاب الاحتجاجات من الاقتراب من الفاعلين السياسيين او الاستماع إليهم! هذه الدعوات تتغافل عن حقيقة مهمة وهي أن أقصر طريق لوأد أي حراك أو تخوينه هو أن يمارس التعالي من تلقاء نفسه أو تمارس عليه العزلة عن محيطه السياسي والمدني، والأولى إحراج الآخرين لتبني موقف داعم مساند…. خامسا- ما نحتاج إليه فعلا في هذا الوطن ليس وصفة لإقرار إصلاح في قطاع الصحة أو التعليم وليس حتى حل البرلمان وإعفاء الحكومة وليس حتى الدعوة إلى انتخابات مبكرة ولكن قطعا نحتاج إلى إرادة وطنية حقيقية تنتبه إلى المخاطر المحدقة وتؤمن أن المحافظة على الثوابت الوطنية والإجماع الوطني والوحدة الترابية والمجتمعية لا يكون من خلال إعلام منافق مخدوم ولا من خلال شراء الذمم ولا من خلال تفصيل انتخابات على المقاس ولا من خلال التمكين للعدو من تحقيق اختراقات ولا من خلال سياسة العصا الغليظة وخلق جيش من البلطجية، نحتاج إلى إرادة سياسية واضحة يستعد أطرافها إلى التنازل عن أخذ كل شيء أو لا شيء، يتحقق بها فك الارتباط بين السلطة والثروة ويتحقق بها الابتعاد عن أوهام التغيير الجذري وقلب الطاولة الذي لن يؤدي إلا إلى تفكك بنيات الدولة والاحتراب الداخلي،
سادسا- ما وقع من انفلاتات أمنية مدانة من اعتداء على بعض المنشآت العامة أو قطع الطريق السيار ، وما وقع من اعتقالات عشوائية وضدا على القانون يحتاج إلى إدانة جماعية ومعالجة سريعة تكشف النقاب عن الفاعلين الحقيقين، سابعا – يجب الانتباه إلى محاولة البعض ابتداءا او انتهاءا استثمار هذه الخرجات الاحتجاجية والأخطاء التي رافقتها من أجل قطع الطريق أمام المطالب الشعبية المتنامية بإسقاط التطبيع خاصة مع هذه التغيرات المتلاحقة والتي عنوانها الأبرز والمختصر: محاولة إدخال العالم العربي والإسلامي إلى مرحلة استعمار جديدة تنقذ أمريكا من أزماتها وتعيد إلى الاقتصاد الغربي بعض عافيته التي أخذ يفقدها لأن النظام الليبرالي قام ولا زال على ابتزاز خيرات الشعوب وما غاز غزة ومعادن أرضها ببعيد عن أطماع ترامب …، المرحلة الحالية منعطف تاريخي نحتاج فبه إلى وعي جماعي ومواقف تاريخية وفعل حضاري يليق بنا ويمنحنا حق الوجود في عالم لا يومن إلا بالقوة والمصلحة…..
.. باختصار نحتاج إلى استكمال الاستقلال السياسي وإلغاء التطبيع المذل والذي هو بوابة كل الشرور وتعزيز اللحمة الوطنية من خلال مؤسسات تعبر عن نبض الشعب وتقطع الطريق أمام أساليب الإثراء غير المشروع وأمام صحافة المساحيق وأمام المتملقين والمتسلقين..
الموقف الواضح أننا لا يجب أن نميز بين شعاري إسقاط التطبيع وإسقاط الفساد فهما مطلبان متوافقان ، يستلزم تحقق أحدهما تحقق الآخر.





