
في مغرب المفارقات يقال إن المنتخبين هم من يسيرون الشأن المحلي لكن الحقيقة المرة التي يعرفها الجميع ولا يجرؤ أحد على التصريح بها هي أن الولاة والعمال هم الحكام الفعليون لمناطقهم أصحاب القرار الحقيقي الآمرون بالصرف والمتحكمون في كل صغيرة وكبيرة بينما يُترك للمنتخبين دور ثانوي أشبه بديكور ديمقراطي لتزيين مشهد سياسي فقد مصداقيته
أين المجلس الأعلى للحسابات من ملفات الفساد والاختلالات المالية التي تُسجّل في عدد من الولايات والعمالات
أين جمعيات حماية المال العام التي كانت تُدوّي بشكاياتها قبل أن تُصاب بالصمم
أين البرلمان الذي يُفترض فيه أن يراقب فإذا به يصفق؟
أين الأحزاب التي تدّعي الدفاع عن الديمقراطية والحكامة بينما تصمت كأنها شريكة في الجريمة؟
بل أين النقابات التي تحولت إلى أدوات مساومة ومناورة لا صوت لها إلا عند اقتراب الانتخابات المهنية؟
لقد تحوّل الوالي والعامل إلى مخزن مصغّر داخل كل جهة وإقليم يُصدر التعليمات، يُعيّن، يُعزل، يُوجّه، يُشرف على المشاريع يقرر في الصفقات ويتحكم في كل مفصل من مفاصل الإدارة المحلية
أما الرئيس المنتخب الذي يُفترض أنه الممثل الشرعي للمواطنين فلا حول له ولا قوة. يُداس صوته باسم التعليمات الفوقية وتُقيد مبادراته بذرائع المصلحة العامة حتى صار مجرد شاهد زور في مسرحية الديمقراطية المحلية
والمؤلم أكثر أن المجالس المنتخبة والمجتمع المدني ووسائل الإعلام فقدت جرأتها على مساءلة هؤلاء المسؤولين الترابيين لأن الاقتراب من ملفاتهم يعني الاصطدام بجدار صلب من النفوذ والمصالح المتشابكة
كيف لا وهم الذين يملكون سلطة العقاب والمكافأة ومن خلالهم تُفتح الأبواب أو تُغلق
في كل مرة تنفجر فيها فضيحة فساد أو اختلال في المشاريع العمومية يُحمَّل الرئيس أو المنتخب المسؤولية بينما يُنسى أن القرار المالي والإداري الفعلي يمر عبر العامل أو الوالي فهو الآمر بالصرف وهو من يوقّع وهو من يملك حق التجميد أو التسريع أو الإلغاء
فمن يحاسب من؟
هل يمكن للمجلس الأعلى للحسابات أن يفتح ملفات الولاة والعمال بجرأة واستقلالية؟
أم أن المراقبة الانتقائية ستظل أسلوبًا ممنهجًا لحماية الكبار وتقديم الصغار كأكباش فداء؟
ثم أين البرلمان أليس من صميم مهامه مساءلة الحكومة حول تدبير وزارة الداخلية التي تُشرف على هؤلاء المسؤولين؟
لكننا لا نسمع إلا التصفيق والبيانات الباهتة لأن أغلب البرلمانيين يركعون أمام السلطة الترابية في دوائرهم ويخشون أن تُغلق أمامهم الأبواب في موسم الانتخابات
أما الأحزاب فقد باعت ضمائرها في أسواق الولاءات لم تعد تؤمن بالسياسة كفعلٍ نضالي بل كصفقة مربحة تضمن مناصب ومجالس ومكاسب
والنقابات تحولت إلى دكاكين تفاوضية هدفها ضمان الريع النقابي ومناصب التمثيلية
والإعلام أغلبه بات يعيش على الإعلانات العمومية التي تُوزع من ميزانيات هؤلاء المسؤولين فكيف سيعض اليد التي تُطعمه
إننا أمام منظومة مغلقة من الصمت والتواطؤ جعلت من الولاة والعمال سلطة فوق المساءلة وفوق القانون وفوق المؤسسات المنتخبة
وهكذا تُفرغ الديمقراطية المحلية من معناها الحقيقي ويُقتل الأمل في إصلاحٍ حقيقي يُعيد الثقة بين المواطن والدولة
فإذا كانت الدولة جادة في محاربة الفساد والريع فعليها أن تبدأ من داخل بيتها الترابي
بمراجعة صلاحيات العمال والولاة
بإخضاعهم للمساءلة أمام البرلمان والمجتمع
وبفتح ملفاتهم المالية والإدارية أمام المجلس الأعلى للحسابات بشفافية تامة
وإلا فكل حديث عن الجهوية المتقدمة واللامركزية والحكامة الجيدة، ليس سوى كلام لتجميل وجهٍ متعبٍ بالسلطوية
من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى
عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي





