
سلمان بونعمان يكتب:
حين يصرّح بنيامين نتنياهو بلا مواربة: «أشعر أنني في مهمة تاريخية وروحانية… فأنا مرتبط جدًا برؤية إسرائيل الكبرى التي تشمل فلسطين وجزءًا من الأردن ومصر»، فإن الأمر يتجاوز حدود الموقف السياسي العابر أو الخطاب الموجَّه للاستهلاك الإعلامي. هذا التصريح يفتح زاوية مهمة على البنية العميقة للمشروع الصهيوني، كاشفًا أن جوهر الصراع لم يكن في أي مرحلة مجرد تنافس على حدود جغرافية أو موارد اقتصادية، بل هو صراع على العقيدة والمعنى والرواية والمشروع الحضاري.
تكفي هذه الجملة وحدها لنسف طيف واسع من التحليلات العلمانية–المادية والرؤى الواقعية–العقلانية التي حاولت، منذ عقود، حصر الكيان الصهيوني في صورة “دولة علمانية حداثية” تتحرك وفق اعتبارات الأمن والمصلحة المادية، أو تأويل مشروعه ضمن منطق التوازنات الإقليمية والبراغماتية السياسية. إذ يتضح الأمر أننا أمام رئيس يقدّم نفسه بوصفه زعيمًا دينيًا وقائدًا مُلهَمًا في مهمة تاريخية–إلهية.
من هذا المنطلق، فإن تجاهل البعد الثقافي–الحضاري في قراءة المشروع الصهيوني يمثل شكلاً من أشكال التواطؤ المعرفي مع روايته، إذ يؤدي إلى إفراغ الصراع من عمقه الحقيقي وتحويله إلى نزاع حدودي وتهديد أمني يمكن “تدبيره” عبر تسويات تقنية أو مفاوضات محدودة الأفق.
يفرض تصريح نتنياهو على التحليلات الجادة أن تتجاوز أسر النماذج الوضعية الضيقة، وأن تتبنى مقاربة حضارية–قيمية–استراتيجية تكاملية ومركبة، تنظر إلى الصراع في شموليته بوصفه:
*صراعًا دينيًا–أسطوريًا: يعيد صياغة الجغرافيا والتاريخ استنادًا إلى نصوص مقدسة وتأويلات دينية.
*مشروعًا استعماريًا–إحلاليًا: يهدف إلى محو الشعب الفلسطيني وإعادة تشكيل المجال السياسي والديموغرافي.
*رهانًا جيو–سياسيًا: يتقاطع مع مصالح القوى الكبرى ويعيد توزيع موازين الهيمنة والقوة والسردية في المنطقة.
إن خطابات نتنياهو وممارساته، قبل السابع من أكتوبر وبعده، تمثل فرصة لقراءة المشروع الصهيوني من داخله، بعيدًا عن الأقنعة الدبلوماسية أو العبارات الخادعة. وعلى النخب الفكرية العربية أن تدرك أن مواجهة هذا المشروع تتجاوز أدوات التفاوض والضغط التقليدية، لتصبح معركة وعي حضاري يعيد بناء الذات، ويحصّن الهوية، ويستعيد زمام المبادرة في صياغة رواية الوجود والمستقبل.
كل ذلك يقتضي وعيا استرايتجيا شاملا بآليات الاشتباك مع مشروع إبادي إحلالي لا يعترف بسلام أو تعايش، ويسعى إلى الهيمنة والتقسيم للمنطقة والاستمرار في تنفيذ الإبادة والتهجير والمزيد من الاستيطان، في أفق بناء -ما يُعرف في الأدبيات الصهيونية- باسم “خريطة إسرائيل الكبرى” أو “إسرائيل التوراتية”، باعتبارها رؤية توسعية تستند إلى تفسيرات دينية–أسطورية للنصوص التوراتية.
سلمان بونعمان





