في الصميم : العمل الجمعوي… بين نبالة التطوع ومخاطر الاستغلال السياسي

يُعدّ العمل الجمعوي أحد المداخل الأساسية لتحقيق التنمية وتعزيز التضامن وترسيخ قيم المواطنة والمشاركة، فهو ليس مجرد أنشطة موسمية أو مبادرات ظرفية، بل فضاء للتأطير والتكوين والترافع والمساهمة في معالجة قضايا المجتمع. غير أن هذا الدور النبيل يظل رهيناً بمدى استقلالية الجمعيات ونزاهة القائمين عليها، وقدرتهم على الفصل بين خدمة الصالح العام والسعي وراء المصالح السياسية أو الشخصية الضيقة.
لقد بات الحقل الجمعوي اليوم في حاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى مراجعة الذات واستعادة الثقة، من خلال ترسيخ ثقافة التطوع المسؤول، وتعزيز الحكامة والشفافية، والتصدي لكل الممارسات التي قد تسيء إلى صورة المجتمع المدني وتُفرغ العمل الجمعوي من رسالته الإنسانية والتنموية.
فالتطوع قيمة حضارية وإنسانية، ومؤشر على وعي المجتمع وقدرته على التضامن والتكافل والمشاركة في البناء. وكلما ترسخت ثقافة التطوع، اتسعت دائرة المبادرات المواطنة، وأصبح المواطن شريكاً فاعلاً في تنمية محيطه، لا مجرد متلقٍّ للخدمات أو متفرج على ما يجري من حوله.
لكن المؤسف أن بعض الممارسات داخل المشهد الجمعوي تثير تساؤلات مشروعة حول حدود العلاقة بين العمل الجمعوي والعمل السياسي. فهناك جمعيات يُثار بشأنها نقاش حول مدى استقلالية قراراتها، وحول احتمال توظيف أنشطتها لخدمة أجندات انتخابية أو حزبية، خصوصاً عندما يبرز حضورها خلال المواسم الانتخابية، ثم يتراجع نشاطها بعد انتهائها، في انتظار مناسبة جديدة أو دعم آخر.
إن الإشكال لا يكمن في تعاون الجمعيات مع الأحزاب أو المؤسسات المنتخبة، فالتواصل والشراكة والحوار بين مختلف الفاعلين قد تكون أموراً طبيعية ومفيدة متى احترمت القانون واستقلالية القرار الجمعوي. وإنما تكمن المشكلة عندما تتحول الجمعية إلى واجهة لخدمة مصالح سياسية ضيقة، أو تصبح أنشطتها وسيلة لحشد الأصوات والأنصار، أو يُستعمل الدعم العمومي بعيداً عن الأهداف التي خُصص من أجلها.
كما أن الدعم العمومي، سواء أكان موجهاً إلى مشاريع اجتماعية أو ثقافية أو تربوية أو تنموية، ليس امتيازاً شخصياً ولا مورداً لتوزيع المنافع بين الأعضاء، بل هو مسؤولية تقتضي الوضوح في التدبير، والالتزام بالأهداف المعلنة، وتقديم الحساب بشأن أوجه صرفه والنتائج المحققة بواسطته. ومن حق المواطن أن يتساءل عن أثر هذا الدعم، وعن مدى استفادة الفئات المستهدفة، وعن استمرارية المشاريع بعد انتهاء التمويل.
فالجمعية التي تتلقى دعماً لإنجاز مشروع اجتماعي أو تنموي مطالبة بأن تجعل المستفيدين في صلب اهتمامها، وأن تقدم نتائج ملموسة، لا أن تكتفي بالصور والبلاغات والأنشطة الشكلية. كما أن تعدد الجمعيات لا يشكل في حد ذاته دليلاً على قوة المجتمع المدني؛ فالقوة الحقيقية تقاس بجدية المبادرات، وجودة المشاريع، واستمراريتها، ومدى إسهامها في تحسين حياة المواطنين.
لقد أضحى المجتمع المدني شريكاً مهماً في التنمية، وقوة اقتراحية قادرة على المساهمة في تشخيص الحاجيات، وصياغة الحلول، والترافع من أجل القضايا المجتمعية، والمشاركة في تدبير الشأن العام وفق مبادئ الديمقراطية التشاركية. وهذا الدور يفرض على الجمعيات أن تنتقل من منطق الأنشطة المحدودة إلى منطق البرامج المستدامة، ومن المبادرات الموسمية إلى العمل المؤسساتي المنظم.
ولا يمكن بلوغ هذا الهدف دون ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واعتماد الشفافية في التدبير المالي والإداري، واحترام القوانين والأنظمة الأساسية، وإشراك المنخرطين في اتخاذ القرار. كما يتطلب الأمر تكوين الفاعلين الجمعويين وتأهيلهم، حتى يتمكنوا من تدبير المشاريع والشراكات بكفاءة، والتعامل مع المؤسسات وفق قواعد واضحة ومسؤولة.
إن المطلوب ليس التشكيك في العمل الجمعوي برمته، ولا إنكار ما قدمته جمعيات كثيرة من خدمات ومبادرات وتضحيات، بل المطلوب هو حماية هذا المجال من الممارسات التي تسيء إليه، والتمييز بين الجمعيات الجادة التي تشتغل لخدمة المجتمع، وتلك التي قد تنحرف عن أهدافها أو توظف اسم العمل الجمعوي لتحقيق مصالح أخرى.
فالعمل الجمعوي ليس خصماً للعمل السياسي، كما أن الانتماء السياسي لا يمنع الإنسان من ممارسة العمل المدني. لكن الضرورة تقتضي الفصل الواضح بين الأدوار، واحترام استقلالية الجمعيات، وعدم استغلال المستفيدين أو المشاريع الاجتماعية لتحقيق مكاسب انتخابية أو شخصية.
إن التنمية الحقيقية لا تُبنى بالشعارات وحدها، ولا بكثرة الجمعيات أو عدد الأنشطة، بل تُبنى بالمصداقية، والالتزام، والعمل الميداني، والقدرة على إحداث أثر مستدام في حياة الناس. كما أن التطوع لا يعني غياب التنظيم أو الكفاءة، بل هو قيمة نبيلة تحتاج إلى تأطير وتخطيط ومسؤولية.
لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار للعمل الجمعوي باعتباره رافعة للتنمية وفضاءً للمواطنة الفاعلة، ولتعزيز الثقة بين الجمعيات والمواطنين والمؤسسات، من خلال قواعد واضحة للمحاسبة والشفافية وتكافؤ الفرص في الاستفادة من الدعم والشراكات.
فالعمل الجمعوي وُجد لخدمة المجتمع، لا لاستغلاله؛ ولتوسيع المشاركة المواطنة، لا لتوظيفها انتخابياً؛ ولتعزيز التنمية، لا لتحويلها إلى وسيلة لتحقيق المصالح الضيقة.
وإذا كان المجتمع المدني مدعواً اليوم إلى القيام بأدوار أكبر في التنمية والترافع والمشاركة في تدبير الشأن العام، فإن أول شروط نجاحه هو أن يبدأ بإصلاح بيته الداخلي، وأن يجعل من النزاهة والاستقلالية والشفافية والتطوع المسؤول ركائز ثابتة لممارسته.
فالجمعية التي تخدم المجتمع تكتسب ثقة الناس، أما الجمعية التي توظف المجتمع لخدمة مصالحها، فإنها تسيء إلى نفسها وإلى الحقل الجمعوي بأكمله.





