الواجهةمجرد رأي

قصص من الواقع : “دردشة مع فاعل جمعوي تقود لاكتشاف خصاص مهول في مادة الأنسولين”.

قصص من الواقع يكتبها محمد كريم(1) 

دردشة مع فاعل جمعوي تقود لاكتشاف خصاص مهول في مادة الأنسولين.
ستبدي لك الايام ماكنت جاهلا …ويأتيك بالاخبار من لم تزود.

العلاقة بين السلطات المحلية وبعض الفاعلين الجمعويين ليست دائما على مايرام ،فقد كانت تتسم في كثير من الأحيان بالتشنج والاصطدام وانعدام الثقة …فطيلة مساري المهني بدوالب السلطة والذي دام ستة وثلاثون سنة دأبت على الانفتاح و الانصات في علاقاتي مع المجتمع المدني ، مع الحرص على احترام القانون وعدم التموقع كموال أو خصم للاطراف المتصادمة سياسيا أو اجتماعيا فالمصالح التي تجمع بين المتناقضين هي نفسها التي تحول المودة والحميمية الى حرب طاحنة كاشفة للمستور.
كنت أمارس مهامي كباشا على بلدية جمعة سحيم بإقليم اسفي عندما تقدم إلي رجل تعليم بطلب للتدخل لدي مصلحة التعمير بالجماعة من اجل استخراج رخصة للبناء تتعلق به…كان هذا الشخص ممثلا لفرع إحدى الجمعيات الحقوقية و أحد الموالين لرئيس الجماعة خلال الحملة الانتخابية…استغربت لطلبه و هو الذي كان ملازما للرئيس مثل ظله و أبرز مستشاريه.  فهمت دون عناء تفكير بأن الامور بينهما لم تعد على ما يرام و أن تحالفات أخرى قد تكون عصفت بعلاقتهما الودية.

فعلا تدخلت لدى المصلحة المذكورة لفائدته وحصل على الرخصة المطلوبة  بعد أن استجاب لبعض الملاحظات التقنية المتعلقة بتصميمه المعماري.و قبل ان ينصرف وفي خضم الدردشة التي كانت سارية بيننا ،أخبرني بأن بعض مرضى السكري لم يحصلوا على حصتهم المجانية من مادة الأنسولين التي يوفرها المركز الصحي منذ أكثر من أسبوعين و أصبحوا يقتنونها من الصيدليات بضعف ثمنها..
التقطت المعلومة واتصلت بالطبيب رئيس المركز الصحي الذي أكد لي الخبر ،مضيفا أن عدد المرضى المتحمل بهم على صعيد البلدية يبلغ حوالي 400 شخص. و لان معلومة مثل هذه بمثابة جمرة مشتعلة و لا تستحمل الانتظار ، فقد اتصلت على التو  بالسيد العامل و أخبرته بالنازلة وبعدد الأشخاص المعنيين بهذه الحقن..اتصل العامل بدوره  بالباشوات و رؤساء الدوائر الذين لم يكن لهم علم بالخبر فأكدوا له جميعا نفاذ المادة من المراكز الصحية والمستوصفات..
تمت دعوة جميع رجال السلطة الى اجتماع عاجل بحضور المندوب الإقليمي لوزارة الصحة الذي ذكر في عرضه أن المشكل يعود إلى نفاذ المادة المذكورة بالصيدلية المركزية منذ أكثر من أسبوع و أنه في طريقه إلى الحل.. رأيت العامل في وضعية حرجة من أمره و هو يعاتب المسؤول الإقليمي عن عدم إبلاغه بالخبر في وقته ،وطلب من رئيس قسم الشؤون العامة إخبار الوزارة فورا..
كانت هده المعلومة على بساطتها بمثابة الشرارة التي أطلقت العنان لسباق محموم بين مختلف الأجهزة الاستخباراتية التي كانت تسابق الزمن لإشعار مصالحها المركزية قبل انتشار الخبر بين الرأي العام..
عممت الوزارة برقية مستعجلة على جميع العمالات والأقاليم والولايات تطلب منهم موافاتها بالوضعية الراهنة لمادة الأنسولين والذين أكدوا بدورهم نفاذ المخزون..في يوم الغذ توصلت جميع المراكز الصحية بحصصها من هذه المادة الحيوية، وطلب منا السهر على استدعاء جميع المرضى لسحب حصصهم والإبقاء على حالة التأهب لمواجهة أي طارىء .

كانت ستكون كارثة بكل المقاييس لو تم إهمال هذا الخبر وعدم التعامل معه بالجدية والسرعة المطلوبة نظرا لخطورة التوقف عن اخذ مادة الانسولين على حياة مرضى السكري..
مايمكن استخلاصه من هذه الواقعة أنه لايجب الاستهانة بالأخبار الواردة من بعض الأشخاص و لو كانوا من عموم المواطنين مادامت تتعلق بالمصلحة العامة.و أن الأخبار الواردة على السلطات يجب التعامل معها بالجدية المطلوبة أيا كان مصدرها و أن أي تأخير في تبليغ بعض الأخبار قد يترتب عليه نتائج عكسية..
(1):باشا ممتاز متقاعد..
..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى