أخبار

الجديدة : مسرحية” ميزان الميلودي ” عدالة الأرض….

بقلم ذ. عبد الرحيم مفكير

عاش الجمهور الجديدي لحظات عشق روحي مع الركح يوم الأحد 9 يونيو لمدة فاقت 45 دقيقة مع نص للمسكيني الصغير أعده المبدع المسرحي مصطفى بوعسرية وأخرجه، لم يندم القادمون لمشاهدة نص من الزمن الجميل، كتب بلغة بليغة وجميلة، تميزت بغيوانيتها، لغة المجاذيب، أرخت بظلالها على فضاء مسرح عفيفي، حيث ساد الصمت، وشدت إليها المسكونين بهوس الفن الهادف الرسالي، بديكور بسيط وموسيقى رجعت بالمتلقي إلى ستينات القرن الماضي، عبر الأثير وصوت المذياع وأغنية الصباح، و”عربة ” كروسة” رسمت حياة الميلودي، المنبوذ من الدوار والمهدد من طرف ” أصحاب الوقت” هي مسكنه ومأواه ومصدر عيشه، الميلودي ينفلق من ظلام عربته، ” كروسته” ليستحضر ماضيه البئيس ويحاكم أهله، وينطلق في توصيف معاناته، هو اليتيم المنبوذ الذي قهره ظلم أقاربه من متسلطي الدوار، لم يتمتع بطفولته، كل ما كان يملك عشقه لأرض سلبت منه بشهادة الزور حتى من أقرب الناس إليه، ” قدور” الذي أرغم على المشاركة في جريمة سلبته حقه، وكم هو قاس غدر الأصدقاء، وتسلط المتجبرين، يبحر بنا النص في عالم موسوم بالخديعة والمكر، كل شيء فيه مزور، وخادع، بدءا من زعيم القبيلة وشيخها وانتهاء بكل الصامتين على الظلم. المظاهر بالدوار لا تخبر بحقيقة الأشياء، حتى الذين زاروا مكة ورجموا الشيطان، لم يفعلوا ذلك إلا نفاقا، بل الشيطان هو من رجمهم، عادوا من أرض المقدس والطهارة بمدنس خبيث أجهز على حقوق الٱخرين. الميلودي يكشف عن القناع، ويعري الواقع ويسخر منه، الميلودي يفضح ” تجار السياسة ” البؤساء بائعي الوهم للمستضعفين الذين يصدقون ترهات السياسيين المزيفين، الذين يطلقون الوعود ويرسمون المستقبل الزاهر، فلا ينتج إلا السراب والخراب، ويبقى بعدهم النقع، والدوار على حاله، لم يتغير فيه لا الزمان ولا المكان ولا الإنسان، كل ما جد تسلق المزيفين واغتناؤهم من سرقة المال العام. الميلودي يبرز عنف النساء اللفظي والرمزي على أزواجهم، الميلودي لا يهدأ له بال، يحرق سفنه، ويتشبث بحقه في استرجاع أرضه المغصوبة. الميلودي يبحر بالمتلقي في عالم عشقه وبوحه، من خلال حبه لعشيقته التي ما زال ينتظرها لتنجب له عشرات الأولاد يتقوى بهم لإزالة الظلم عنه، والانتصار على واقع جعل منه ” محتقرا” في نظر أهل الدوار، هو نظام ” السخرة” الميلودي مطية كل المتجبرين يلبي حاجاتهم، وفي شقائه لذة لا توصف باطلاعه على أسرارهم وفظائحهم التي يطلبون منه كثمانها. الميلودي شريف في حبه، عفيف، يحترم معشوقته، الميلودي ينهمر بالبكاء عند قبر والده، ويستحضر وصاياه، الميلودي لم ينس أمه وحبها له، ويتشبث بحقه في الوجود، ينكر على السلطة منعها له من امتلاك قوته اليومي بعربة مهترئة، وبضاعة مزجاة، ودريهمات قليلة لا تسد رمقه، الميلودي يدفعه القهر لتناول سم ” السبسي” لينسى همومه ومعاناته. الميلودي ينطق حكما بليغة، ويغازل طير سجينا بقفص، فيرق قلبه، ويرسله حرا في سماء الكون كي يشدو ويغني لحن الحرية، الميلودي ينتفض ضد ظاليمه، ويقيم لهم محاكمة رمزية من خلال ” ميزان” العدالة، من أجل استرجاع الحقوق. أبدع مصطفى فينش ممثلا وإنسانا، وشد إليه جمهورا من جيل الستينات، وأعاد لهم الأمل في رؤية نص كتب لأداء وظيفة المسرح الرائد. كما أن النص الذي أعده وأخرجه مصطفى بوعسرية، أتعبه، لأنه حوله من نص فرجوي احتفالي إلى نص درامي بمأساة، استخدم فيه بياضات كثيرة، كانت تنطق كلمات، وتكشف أسرارا. ليس من السهل أن تحول الاحتفالية إلى ما تميز به المسكيني الصغير باختيار خط ثالث في مجال المسرح، إنه تاريخ ممتد في الزمان والإبداع الذي أسس لتصور مبني على الحركة والفعل الدينامي.

يعد المسكيني الصغير من رواد المسرح المغربي، له إنتاجات في الشعر منها ديوان “مات خطأ” 1990، وأدب الطفل ” ست مسرحيات للطفل ” 1992، والأعمال التلفزيونية منها ” أرض الجموع” و” المطمورة “. لكن هذا الكاتب عرف أكثر في مجال المسرح بكتاباته بالعربية والدارجة، من بينها ” سرحان” 1990، و” رجل اسمه الحـلاج ” 1996، و” عودة عمر الخيام إلى المدينة المنسية” 2000 ،و”رحلة السيد عيشور” 2001 ، و” الرمود ” 2021 ، ومنطق السقائين ”. حضر المسكيني الصغير لمسرح عفيفي وإلى جانبه مدير المسرح بهلول، الصغير وبهدوء ألقى ابتسامته المعهودة تحت تصفيقات الجمهور، في أمسية احتفت بإبداعه، وكتاباته المتميزة التي ترتكز على ثلاثة أمور الحدث الدرامي، والزمان، والمكان. بلغة التناص أو التفاعل النصي، لغة لها حمولة تلتزم بمعالجة قضايا الإنسان المغربي من خلال حدث درامي له علاقة بالموروث الثقافي.

ما أثت فضاء النص اختيار موسيقى رائعة، ودندنات للفنان جمال بودويل، وصوت لقدور من وراء الكواليس وحضور عشيقة الميلودي، وحواره مع أمه التي اخترق صوتها من العالم الخفي فضاء الركح، والملابس التي اختيرت بعناية من طرف الفنانة أمينة لمعيزي، ومحافظة الفنان اعبادة… فريق عمل متجانس جعل من العمل الفني متعة ورسم صورة ألقت بظلالها على مسرح عفيفي لتحيي بعضا من ماضيه المتألق والشامخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى