الواجهةتربية وتعليم

ظاهرة استهتار التلاميذ بامتحانات البكالوريا

أين الخلل؟

بقلم الدكتور عبد الله صدقي

من المؤسف المخجل أن نتابع العديد من التلاميذ بعد اجتيازهم البكالوريا لمادة الفيزياء والمواد الأخرى، يصرحون باستهتار غريب على قنوات التواصل بأسفهم على عدم سماح الأساتذة المراقبين بانتشار الغش خلال الامتحان، وافتخارهم بأنهم كانوا مستعدين يحملون معهم أوراق أو ما يصطلحون عليه ب (النَّقلة) إضافة إلى الهواتف قصد تداول الغش، وهم يشْكون صعوبة الإجابة التي ألفَوها حين مواجهة الامتحان، في عدم فهم أي شيء … والغرابة أن أغلبهم يجاهر بكونه لم يراجع، وإنما جاء معتمدا على عملية الغش، وكأن عملية الغش باتت مسموح بها.

كذلك أدلى الكثير من التلاميذ بعدم جدوى شهادة البكالوريا، مادام الأفق مسدودا أمامهم، والبطالة تنتظرهم لتلاحقهم، وأنهم لا يهمهم تكرار البكالوريا، وبدا التلميذ في استجواباتهم عبر شبكة التواصل أمام المؤسسات لا يأبهون بأي مسؤولية مستخفين بالامتحان والأساتذة والآباء، وذلك بطرق هزلية تطفح عيها السخرية والتفسخ، وعدم تحمل مسؤولية طلب العلم واجتياز الامتحان، بل البعض من الفتيات والفتيان يفتخرون بكونهم لم يفهموا أي شيء من الامتحان، وأنهم مسرورون لإعادة السنة الدراسية … إنها مهزلة ما بعدها مهزلة… فأن تسخر الأجيال من المعرفة والعلم ليست سوى حلول الطامة الكبرى …

فما هي الدوافع والأسباب الكامنة خلف هذه الظاهرة؟

ومن المسؤول عن ظهورها؟

كلنا نعلم أن التلاميذ هم نتاج تربية المجتمع، قبل أن يكونوا نتاج تربية الأسرة، بمعنى أن منظومة القيم الاجتماعية المجتمعية، هي من يتحكم في خلق أسر ناجحة، وأفراد ناجحين داخل الأسر وفي المجتمع.

وحين نتتبع آثار الدوافع والأسباب الكامنة خلف هذا التفسخ والاستهتار لهذه الأجيال من المعرفة والعلم والحياة، فإننا واجدون مجموعة من العوامل، لا يجهلها أحد ممن يعيش داخل المجتمع المغربي:

  1. غياب رؤية متطابقة لدى الحكومات على مدى تاريخ المغرب، ذات استراتيجية بمفاهيم واضحة ومؤهلة، تربط بين المؤسسات التعليمية في كل أسلاكها والحياة التي نعيشها، كذلك تولية اهتماما تقديري للعلم والمعرفة، وتأسيس مكانة يُكرم فيها العالِم والدكتور وأهل الشواهد ماديا ومعنويا من غير استثناء.
  2. نزع الدولة أي قيمة تشريفية مادية تذكر من الشواهد العلمية، اللهم على مستوى (التشييد الكلامي حصريا)، حتى بات صاحب هذه الشواهد العلمية عالة على المجتمع وقد اتى من كوكب بعيد عن الواقع الأرضي، لا تؤهله شواهده (البكالوريا ـ أو الإجازة، أو الماجستير أو الدكتوراه)، بذلك تحل بصاحبها خيبة أمل، ويضحى متسولا، يسخر منه الجاهل الأمي الذي استولى أو كسب الأموال وأصبح صاحب المشاريع التجارية …

 

  1. اهتمام الحكومات المغربية بالمجال الرياضي، خاصة (كرة القدم)، التي يتقاضى الممتهن فيها مبالغ خيالية من الأموال، تؤهلهم ليعيشوا حياة البذخ، والسكن في القصور، وامتطاء أفخم السيارات أو الطائرات الفردية والاهتمام الشريف بمكانة أهل الرياضة، التي لا يصل إليها العالِم أو الدكتور أو المهندس أو الطبيب …بل بينهم وبين أهل الرياضة ما بين السماوات والأرض من المسافات الضوئية …

 

  1. المكاسب السريعة التي يجنيها الكثير عبر قنوات التواصل، قد تكون تجارة محترمة، وقد تكون تهريجا وسخافات غير أخلاقية أحيانا، ومن غير عناء ولا علم ولا امتحانات باكالوريا ولا جامعية… تغنيهم عن معاناة طلب العلم، والتحضير النفسي والجسدي لمواجهة عسر الامتحانات والتعرض للإخفاق أو النجاح المزيف …

 

  1. عدم كفاءة المشرفين على القطاع التعليمي التربوي بكل مستوياته، من الروض إلى الجامعات والكليات والمعاهد العليا، بل تولي أفراد ليسوا مؤهلين إطلاقا لتشييد استراتيجية ذات رؤية وأهدف ناجعة بمفاهيم قيمية واستشرافية للمستقبل، فأن تسند الأمور لغير أهلها لا يدعوك سوى انتظار قيام الساعة

هذه بعض النقط فقط، أعتبرها مقاربة لتعرية الواقع، كافية لتُنْجِبَ لنا أجيال يسخرون منَّا، كما يسخرون من الحياة، ويمتطون العفوية واللاجدوى من هذه الحياة، ولا غرابة كذلك في أن يستهزئ أبناؤنا بالبكالوريا والشواهد التي لم تعد تجدي شيئا، بقدر ما تجعل الأستاذ معوقا ماديا متسولا، بعد أن يقضي أجمل أيام حياته تحت سقف فصل المدرسة، أو طبيبا تحت سقف عيادته ينتظر مريضا، أو موظفا في شركة بنكية أو تجارية يقضي أيامه وهو منحني الرأس حتى يشيب شعره، وأخيرا يُرمى للتقاعد… في الوقت الذي يرتع صاحب (الشكارة) متلذذا بعرق عماله …

 

والحقيقة أن الذي أبهرني، تلك الجرأة الزائدة التي أصبح أبناؤنا يتحدثون بها، بعد خروجهم من امتحان البكالوريا، وهجومهم العنيف مصاحبا بالسخرية من الامتحانات، وكأنهم اكتشفوا مهزلة المسرحية التي كنا ندفعهم ليحلموا بها، كذلك رفعوا الستار على وجوهنا وأكاذيبنا التي طالما أحييناهم عليها، وانتهى الأمر …وسقط التمثال … فحقا للآباء أن يعيشوا معاناة مع هذه الأجيال التي وجدت نفسها داخل معركة يحتدم فيها الصراع بين الوهم والواقع … فأين الحكومة؟ وأين الكفاءات القادرة على أن تجعل المغرب مثلما نتابع على الشاشة، ويروج له …وبات لزاما أن ينتبه المغاربة الأبرار إلى هذه المعادلة الصعبة، ويمنعوا من التطفل السياسي والاقتصادي والعلمي، الذي طال تسيير شؤون المغاربة من رجال الحكومات المتعاقبة، لأننا نحن المغاربة وأبناءَنا شعب يستحق الحياة الحقة … كفى إذن من الانتهازيين والسماسرة والمشعوذين …وكفى من سياسات الترقيع والتدليس والكذب والبهتان … فالمغاربة خلف ملكهم كانوا دائما حماة الوطن …

Abdeslam Hakkar

عبد السلام حكار مدير الموقع وصحفي منذ 1998 عضو مؤسس بالتنسيقية الوطنية للصحافة والإعلام الإلكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى