
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تبرز من جديد مسألة حضور الأطفال القاصرين في الفضاءات والأنشطة المرتبطة بالحملات الانتخابية، وما يرافق ذلك أحياناً من صور ومشاهد تثير نقاشاً حول الحدود الفاصلة بين المشاركة المجتمعية وبين استخدام صورة الطفل في سياق دعائي.
وفي هذا السياق، أثارت صورة متداولة لطفلة قاصر في وضعية توحد، وهي ترتدي شعاراً يحمل هوية حزب سياسي، تساؤلات وانتقادات بشأن مدى ملاءمة إشراك القاصرين، ولا سيما الأطفال في وضعية إعاقة، في مشاهد ذات طابع انتخابي.
الموضوع لا يتعلق فقط بالانتماء الحزبي أو بالمنافسة الانتخابية، وإنما يطرح سؤالاً أوسع حول حماية الطفولة واحترام خصوصية القاصرين وعدم تحويل صورهم أو وضعياتهم الإنسانية إلى عناصر في الخطاب الانتخابي.
فالطفل القاصر يحتاج إلى حماية خاصة، وتزداد أهمية هذه الحماية عندما يتعلق الأمر بطفل في وضعية توحد أو إعاقة، حيث ينبغي أن تكون مصلحته وكرامته وخصوصيته في مقدمة الاعتبارات.
ومن الناحية القانونية، لا يمكن الجزم بوجود مخالفة اعتماداً على صورة أو منشور متداول فقط، إذ يتطلب الأمر التحقق من ملابسات الواقعة، وطريقة التقاط الصورة ونشرها، وهوية الأشخاص المعنيين، ومدى وجود موافقة من الولي القانوني، فضلاً عن طبيعة النشاط الذي ظهرت فيه الطفلة.
لكن من الناحية الأخلاقية، يظل السؤال مشروعاً: هل من المناسب إقحام الأطفال القاصرين في الدعاية الانتخابية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأطفال في وضعية هشاشة؟
الحملات الانتخابية يفترض أن تكون مناسبة لعرض البرامج والأفكار والمشاريع والتنافس حول خدمة المواطنين، مع الحرص في الوقت نفسه على عدم المساس بخصوصية الأطفال أو استخدام صورهم بطريقة قد تحمل رسائل سياسية لا يدركون طبيعتها أو أبعادها.
ومن هذا المنطلق، فإن حماية القاصرين ليست مسؤولية الأسرة وحدها، بل هي أيضاً مسؤولية الأحزاب والمرشحين والمنظمين ووسائل الإعلام ومستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، كلٌّ في حدود دوره.
إن احترام الطفولة يجب أن يظل فوق الحسابات الانتخابية، كما أن الأطفال، بمن فيهم الأطفال في وضعية توحد، يستحقون الحماية والاحترام، لا أن تتحول صورتهم أو وضعيتهم الإنسانية إلى مادة للدعاية السياسية.
والأجدر في مثل هذه الحالات هو التحقق من الوقائع، واحترام القانون، وصون كرامة الطفل، وتجنب إصدار أحكام مسبقة أو استغلال الصورة نفسها بطريقة قد تزيد من المساس بخصوصية القاصر.
فالانتخابات تنتهي، لكن صورة الطفل وحقوقه وكرامته تبقى مسؤولية الجميع.




